هل أدرك الثور حقيقة عنترة ؟..
✍️ مها الشاعر _ كاتبة سعودية :
وما يدري الثور أنّي عنترة ؟! ..
معظمنا قد يعرف إحدى أهم المرويات عن الفارس المشهور بشجاعته وإقدامه، عنترة بن شداد.
والتي تروى ليس من باب إظهار الحكمة فقط ، بل للإشارة إلى النباهة والفطنة في القول والفعل، أكثر منها حكمة، حسب منظوري الشخصي.
عندما هجم ثور هائج على مضارب بني عبس ديار عنترة، عندها أثار الرعب في نفوس أهلها، وهدم الخيام، وأفزع الآمنين فيها.
ويقال بأن عنترة اختبئ مع ممن اختبئوا أثناء الحادثة هرباً من الثور .
عنترة يهرب من الثور ! .. تعجب أهل الديار من هذا الأمر ..
وفيما يدور في مخيلتي بأن عنترة ابتعد عن طريق الثور فقط ولم يختبئ، ولكن يبدو بأن ناقل الرواية يحمل في قلبه شيء من الحسرة والضغينة تجاه ما يشاع عن شجاعة عنترة وبسالته، فأراد أن يطعمها ببعض الإثارة .
الأهم من هذا هو عندما سُأل عنترة .. أتهرب من الثور وأنت عنترة ؟!..
وبكل بساطة وشجاعة أيضاً أجابهم .. وما يدري الثور أنّي عنترة ؟! ..
وهو محق في ذلك، بل وفطن نبيه..
تخيل أن تمحي بلحظة حماسة تفتقر إلى الرشد، مسيرة عمر سطرتها بفيض من الشجاعة والحمية والإباء ؟!..
ويشهد لك بها القاصي والداني، والعدو قبل الصديق، فقط لتثبت لكائن هائج وبلا عقل بأنك عنترة بن شداد الفارس المغوار .. !
فالشجاعة ليست فعل إقدام فقط، الشجاعة فعل عقل قبل أن تكون فعل عَضَل، وفي ذلك قول المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه ؛ ” ليس الشديد بالصرعى ، ولكن الشديد من يملك نفسه عند الغضب”.
فمن لا يملك زمام السيطرة على نفسه في الوقت المناسب، فلن يستطيع أن يملك زمام غيره، سواءً عنوةً أو عن طيب خاطر .
والشجاع يسود في قومه حين يغلب مصلحة الكل على تلميع نفسه ومسيرته ، وعندما يحسب الناتج الكلي لأي خطوة يتخذها، وليس الناقص الجمعي في مصلحة أو زاوية محددة دون غيرها، ويضرب بكل ما دون ذلك عرض الحائط، متجاهلاً كم الخسائر الباهظة التي قد تكلفه هذه اللحظة إياها، نتيجة قرار غير مدروس.
ولنا في التاريخ شواهد، لمن لم تنجيهم ساعات ولا أيام ولا سنين من التصفيق والشعارات القومية الزائفة، من هلاك مؤكد مذل ومخزي، رغم كل ما يملكونه من قوة وعتاد وفكر .
[ يقول صاحب الأغاني: قال عمر بن الخطاب للحطيئة: كيف كنتم في حربكم؟ قال: كنا ألف فارس حازم .
قال: كيف يكون ذلك؟ قال: كان قيس بن زهير فينا وكان حازمًا فكنا لا نعصيه، وكان فارسنا عنترة فكنا نحمل إذا حمل ونحجم إذا أحجم، وكان فينا الربيع بن زياد وكان ذا رأي فكنا نستشيره ولا نخالفه، وكان فينا عروة بن الورد فكنا نأتم بشعره… إلخ».
ولعل في هذا المثل السالف آية وعلامة على فن الحرب، والذي كان يعتمد في العصور القديمة على الرأي والاستراتيجية والقيادة الحكيمة، والشعر (التعبئة) والقوة القائمة على العنف والغلبة. ]
ومن باب التذكير هنا ؛ عنترة وقومه هم من العرب الأقحاح الذين نشأوا على هذه الأرض الطيبة، قبل عصر الإسلام وهم من بني عبس، والتي تقع ديارهم التي كانوا يطلقون عليها اسم “قو” في أحد أجزاء نجد في المملكة العربية السعودية، وهي تعتبر منطقة القصيم حالياً، بالتحديد القصب أو القصيباء كما يعرفها أهلها.
هذا لو أردت أن أحدثك عن أهل هذه البقعة التي تتحدث عنها قبل عصر الإسلام، أما عصر صدر الإسلام فهم أيضاً أحفاد الفاروق عمر بن الخطاب، وأسد الله حمزة بن عبدالمطلب ، وسيف الله المسلول خالد بن الوليد، وعلي ومعاوية وابن العاص عمرو، والطفيل وأبا أيوب والمغيرة، وغيرهم من الفرسان الذين جمعوا شمائل العروبة والإسلام في هذه الجزيرة العربية.
فصالوا في الديار وجالوا، ولم تأخذهم في الحق لومة لائم ، ولم تثنيهم عن حرب سوى مروءة ورجاحة عقل، أما الشجاعة والبسالة والإقدام فهم أهلها، ولكنهم في الوقت ذاته يعرفون متى يضعون الندى موضع السيف، والعكس كذلك، لذا كتب الله لهم هذه الفتوح العظيمة، والسيادة والريادة والسطوة.
فنحن أحفاد هؤلاء وأولئك، من قبل الإسلام ومن بعده، من شرقها لغربها ومن جنوبها لشمالها، ووسطها وقلبها النابض كذلك أرض اليمامة.
والأزمات الشداد نحن أهلها، إن أردناها سياسة وسيادة، أو أردناها إقدام وقيادة.
فالحروب بضاعة رخيصة، نستطيع أن نبيعك إياها ونعلمك فنونها بأبخس الأثمان، دون أن تمس لنا سيادة.
ونعرف متى نملك زمامها وكيف ومتى ، نحن هنا في الخليج العربي ، وفي المملكة العربية السعودية على وجه الخصوص ، ولسنا بحاجة لمن ينظر علينا وهو يكاد أن يشرق بقطرة ماء.
[ قيل لعنترة: أنت أشجع العرب وأشدها ؟
فقال: لا.
فقيل: فبماذا شاع لك هذا في الناس؟
قال: كنت أقدم إذا رأيت الإقدام عزمًا، وأحجم إذا رأيت الإحجام حزمًا، ولا أدخل إلا موضعاً أرى لي منه مخرجا، وكنت أعتمد الضعيف الجبان فأضربه الضربة الهائلة التي يطير لها قلب الشجاع فأثني عليه فأقتله.
وهذه الآراء تؤكد اقتران الحيلة والحنكة في فن الحرب عند عنترة وأقرانه في عصر السيف والرمح والفروسية. ]
فالشجاعة دون رجاحة عقل ورأي سديد، ونجاعة مدروسة، ماهي إلا فعل حماقة لا أكثر .
أما الفرق الجوهري مابين الثور في قصة عنترة، والثور في مشهدنا الحالي ..
بأن الأول لا يعرف حقيقة من هو عنترة، أما الآخر فهو يعرف تمام المعرفة، ولا زال يحاول عله يفوز ببعض نصر ولو كان على سبيل الوهم.
من أنتم ؟!
أما لو عدنا للحديث عن جماعة نحن لسنا ضد دول الخليج العربي، ولكن نحن مع إيران !..
خرج أحد المحللين والمبررين لهذا الإعتداء الإيراني السافر على دول الخليج قائلاً: بأن سبب ضرب إيران للمناطق الإقتصادية الحيوية والمدنية في دول الخليج، هو عدم امتلاكها حتى الآن لصواريخ بعيدة المدى يمكن أن تصل إلى واشنطن .. وهي ماذا ؟! وهي كانت في طريقها لتصنيعها ، ولعدم امتلاكها حتى الآن فهي تحاول ضرب أهدافها الأميركية عن طريق قواعدهم العسكرية الموجودة في بعض دول الخليج .. !
وأعتقد ينبغي على دول الخليج أن تتحمل تبعات ذلك، بأن إيران ” المغلوبة على أمرها ” لم تستطيع أن تحقق أهدافها في الوقت المحدد لها.
لا أعرف بأي منطقية توصل لهذا التحليل ، ولكن خبت وخاب كل من يحمل مثل عقلك الضئيل.
وأقول هنا؛ لكل من يصطف إلى جانب هذه الدويلة الخرقاء والتي حتى اللحظة لا تستطيع أن تخلق لها هوية في المنطقة، سوى الغوغائية وإثارة الفتن، وهي دولة ثورية في المقام الأول ، تضرب وتدمر هنا وهناك لفرض نفوذها وسطوتها في المنطقة لا أكثر .
وينبئك عن ذلك أعداد القتلى المهولة في كل من سوريا، والعراق ، ولبنان، واليمن وفلسطين، دون أن تحقق أي غاية بشرية هادفة في كل تلك الدول مجتمعة.
أما قبل ؛
لمن لا يزال في قلبه شك بأن إيران لا تقل صهينة عن بني صهيون، مع التأكيد للمرة الألف بأن كلاهما وجهان لعملة واحدة.
اسرائيل لم توجه تهديداً واحداً تجاه قبلة المسلمين الحرم المكي الشريف، ولكن إيران فعلت ذلك مراراً وتكراراً ، في حاضر زماننا هذا وماضيه القديم، فأي دولة إسلامية هذه ؟!
ولتكن على يقين بأن من لا يحمل في قلبه حرمة لبيت الله الحرام، ولشعائره المقدسة، لن يحمل في قلبه حرمة لا لدمك ولا عرضك ولا مالك ولا لدينك حتى ، أياً كانت طائفتك ، وأياً كان توجهك .
أما بعد ؛
”العاصفة تزول ولكن الجبال تبقى”.
للتواصل : [email protected]



