قراءة فلسفية ادبية لقصيدة (عيد الفخر في موطني) للأستاذة مشاعل عسيري

حلله _ عبدالله بن عبيد اليوبي :
قصيدة «عيد الفخر في موطني» ليست مجرد نص احتفالي بالعيد، بل هي بناءٌ دلالي يتجاوز المناسبة ليؤسس لمعنى الهوية والانتماء للوطن بوصفهما شرطاً للفرح الحقيقي. فالعيد هنا لا يُفهم كزمنٍ دوري يعود كل عام، بل كحالة وجودية مرتبطة بالقرب من الوطن، وبالاستقرار الرمزي الذي يمنحه هذا القرب للذات.فما بالك إذا كان هذا الوطن هو المملكة العربية السعودية اغلى تراب على وجه الكرة الأرضية لاتوازيه اي ارض في عليائها وهذا ماجعل قصيدة الاستاذة مشاعل تاخذ هذا الزخم العميق لانها تحدثت بلسان كل سعودي يذود عن وطنه بروحه قبل قلمه
في المطلع، حين تقول:
العيد يا سائل مشاعل عن العيد
عيد الفخر في موطني والكرامه
فهي تعيد تعريف المفهوم؛ إذ تنقل العيد من كونه شعيرة زمنية إلى كونه قيمة معنوية. العيد يصبح مرادفاً للفخر، والفخر بدوره مشروط بالانتماء. وهذا التحول يعكس وعياً فلسفياً بأن المعاني الكبرى لا تُستمد من الزمن، بل من علاقتنا بالمكان.
ثم يتجلى البعد الوجودي في قولها:
وما دام أنا عن موطني ماني إبعيد
عيدي بخير ولو جروحي علامه
هنا يظهر التوتر بين الألم والطمأنينة؛ فالجراح لا تنفي العيد، بل تتعايش معه. وكأن الشاعرة تلمّح إلى فكرة عميقة: أن الإنسان لا يحتاج إلى اكتمال شروط السعادة ليشعر بها، بل يكفي أن يكون في موضعه الصحيح وجودياً—أي في وطنه.
أما قولها:
وأبوي ما دامه بجنبي فلا عيد
أجمل من أعيادي مدامي حزامه
فيمثل انتقالاً من الوطن بوصفه كياناً كبيراً إلى الأب بوصفه تجسيداً مصغّراً للأمان. هنا تتكثف فلسفة الانتماء في صورتين: الوطن كفضاء، والأب كمرساة. وكأن الشاعرة تقول إن الانتماء لا يكتمل إلا إذا اجتمع البعدان: العام والخاص.
مابيننا خاين ولا بيننا صيد
واللي بنصيده ندفنه في مقامه
لا يقتصر على البعد الأخلاقي بل يتسع دلالياً ليحمل بُعداً وطنياً صريحاً، خاصة إذا قُرئ في سياق التوتر أو الحرب. هنا تتحول اللغة من توصيفٍ قيمي إلى إعلان موقف.
فـ «ما بيننا خاين» ليست مجرد نفي للخيانة داخل الجماعة، بل تأكيد على تماسك الجبهة الداخلية؛ وهي فكرة محورية في فلسفة الدول أثناء الأزمات، حيث يصبح الصف الداخلي شرطاً للبقاء لا مجرد فضيلة.
أما «ولا بيننا صيد» فتأخذ معنىً آخر في هذا السياق؛ إذ توحي برفض أن يكون أحد أفراد الوطن فريسةً للعدو أو أداةً تُستغل. كأن الشاعرة ترسم مجتمعاً عصيّاً على الاختراق.
ويبلغ المعنى ذروته في:
واللي بنصيده ندفنه في مقامه
فهنا يظهر منطق الحسم؛ ليس بوصفه عنفاً مجرداً، بل بوصفه دفاعاً عن الكيان. الصيد في هذا السياق ليس اعتداءً، بل ردٌّ على تهديد، و«دفنه في مقامه» يحمل دلالة إنهاء الخطر في موضعه دون أن يمتد أثره.
فلسفياً، يفتح هذا البيت على فكرة عميقة:
أن الأخلاق في زمن السلم تقوم على التسامح، لكنها في زمن الخطر تتحول إلى حماية الجماعة. وهنا لا تعود القيم مجرد مبادئ مثالية، بل تصبح أدوات بقاء.
وبهذا يمكن القول إن الشاعرة قد جمعت بين مستويين:
• البعد الأخلاقي: مجتمع نقي من الخيانة.
• البعد الوطني: مجتمع متماسك، قادر على الدفاع عن نفسه، وحسم التهديد عند ظهوره.
وهذا التداخل بين الأخلاقي والوطني يعكس وعياً ناضجاً؛ لأن الدفاع عن الوطن في جوهره ليس فعلاً عسكرياً فقط، بل هو امتداد لمنظومة قيم ترى أن الأرض والعِرض والهوية تستحق الحماية.
وهذا البيت ينتقل من كونه حكمة أخلاقية إلى كونه موقفاً وطنياً مكتمل المعنى
فلسفياً، يمكن قراءة القصيدة على ثلاثة مستويات:
1. مستوى الهوية: حيث العيد يعاد تعريفه بوصفه انتماءً لا مناسبة.
2. مستوى الوجود: حيث الألم لا يلغي الفرح، بل يتجاور معه في تجربة إنسانية واحدة.
3. مستوى القيم: حيث تُبنى الجماعة على الوفاء، ويُقصى منها الخلل الأخلاقي.
الأستاذة مشاعل عسيري استطاعت أن تكتب نصاً بسيط الألفاظ، عميق الدلالة. لم تتكلف في اللغة، لكنها حمّلتها معاني كثيفة، وهذا من علامات النضج الشعري. كما أن تكرار اللازمة «العيد يا سائل مشاعل عن العيد» منح القصيدة إيقاعاً دائرياً يعزز فكرتها عن العيد كحالة مستمرة لا تنقطع.
الأجمل في النص أنه يوازن بين الحس الوطني والوجدان الشخصي دون أن يطغى أحدهما على الآخر، وهذه قدرة ليست سهلة؛ إذ كثير من النصوص تميل إما إلى الخطابية أو إلى الذاتية، بينما هنا نجد انسجاماً دقيقاً بين الاثنين.
باختصار:
قصيدة مشاعل ليست فقط احتفاءً بالعيد، بل هي إعادة تعريف له… كحالة من الانتماء، وطمأنينة الروح، ووفاء لا ينتهي
_______________________________
✍️حلله – عادل عباس :
الله الله الله يا مشاعل ما أجملكِ وأبهاكِ ..
هنا قرأتُ في أبياتكِ العيد مرتين؛
مرةً في فخركِ بوطن الكرامة،
ومرةً في إصراركِ على التفاؤل رغم الجراح.
هكذا يكون الشاعر؛ فدائما ما يحول الألم إلى أمل،
والكلمة إلى راية.
شكراً لهذا البوح الراقي، وكل عام وأنتِ في خير وسعادة ورفعة..
ودعيني أقول ..
يَا مَنْ سَأَلْتِ الشِّعْرَ عَنْ عِيدٍ سَعِيدْ
فِي نَبْضِكِ الْأَغْلَى مَقَامًا وَقَامَهْ
جَادَتْ مَشَاعِل بِالْقَوَافِي كَالنَّشِيدْ
نُوراً يُزِيح مِنَ الْقُلُوبِ الْغَمَامَهْ
مَا دَامَتِ الْآمَال تَسْرِي فِي الْوَرِيدْ
فَالْحُزْن يَمْضِي مُدْبِراً بِانْهِزَامَهْ
تَبْقَيْنَ لِلْإِبْدَاعِ وَالْفَخْرِ الرَّصِيدْ
فِي عِيدِ حُسْنٍ قَدْ بَلَغْتِ تَمَامَهْ
عِيد الْوَفَاء لِمَوْطِنِ الْمَجْدِ التَّلِيدْ
دَامَ الْأَمَانُ.. وَدَامَ فيهِ السَّلَامَهْ



