الْفُطُورُ الْجَمَاعِيُّ بِالْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ

✍🏻 أ. عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْمُزَيْنِي _ كاتب صحفي ومذيع تلفزيوني :
رَمَضانُ في المدينة المنوّرة متعةٌ روحيّةٌ لا تُضاهى، وأجواءٌ جميلة، ومظاهرُ تتوهّج بالفرح والسعادة، وعاداتٌ وتقاليدُ تبعث البهجة في النفوس، وتُسترجَع فيها ذكرياتُ الماضي من خلال تعزيز الترابط الاجتماعي، والتي تُشكِّل جزءًا أصيلًا يُعبِّر عن صفاء النفس، ونقاء القلب، وحبّ الخير للغير وإسعاد الآخرين، وهو ما جُبِل عليه أهلُ المدينة الأكارم؛ قلوبٌ كريمة، وفيّة بالعهد، يفرحون بالزائر والمقيم.
ولا غرو في ذلك، وهم أهلُ المؤاخاة والعطاء، وخيرُ دليلٍ على ذلك ما قام به أسلافهم مع المهاجرين، قال تعالى:
﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾.
وهذا من عظيم إيمانهم، وكان الرسولُ ﷺ يبالغ في حبِّ أهل المدينة، وأمَر المؤمنين بحبّهم. وفي صورةٍ جميلةٍ ومعبِّرةٍ تُجسِّد التلاحمَ والتعاطف، ومظهرًا من مظاهر الألفة والتآخي، وتعكس ثقافةَ وكرمَ أهالي المدينة وعاداتهم الحسنة في المسارعة إلى الخيرات والتنافس في أعمال البرّ والإحسان، والتي ما زالت تتوارثها الأجيالُ جيلًا بعد جيل.
ويزداد جمال هذه الأجواء حين تمتلئ أرجاء المدينة بالحياة بعد صلاة العصر، حيث يقصد الناس المسجد النبوي الشريف، وتزدحم الطرقات بالمصلّين والزائرين، وكلّهم يحملون في قلوبهم شوقًا للصلاة في هذا المكان المبارك. ومع اقتراب موعد الإفطار، تتعالى أصوات الدعاء وتتهيّأ السُّفَر الرمضانية في مشهدٍ مهيبٍ يجمع بين العبادة والتكافل الإنساني.
تنتشر السُّفَرُ الرمضانية داخل المسجد النبوي وساحاته وأروقته للصائمين من الزوّار والمقيمين، لتشريفهم بالإفطار معهم وسط أجواءٍ روحانيةٍ مفعمةٍ بالأمن والإيمان، راجين بذلك الأجرَ والثوابَ من عند الله. ويشارك في إعداد هذه الموائد أفرادٌ من المجتمع بمختلف فئاته، في صورةٍ رائعةٍ من صور التكافل والتعاون التي تُجسّد القيم الإسلامية في أبهى صورها.
كما تبرز في المدينة خلال هذا الشهر المبارك مظاهرُ العناية بالمساجد والحرص على إحيائها بالصلوات والقيام وقراءة القرآن، حيث تمتلئ الصفوف بالمصلّين، وتُقام حلقاتُ التلاوة والدروس العلمية، في مشهدٍ يعكس ارتباط المجتمع بالقرآن الكريم وحرصه على اغتنام نفحات الشهر الفضيل.
وزيادةً في روابط المودّة والمحبّة والتكاتف الاجتماعي، انتشرت عادةٌ رمضانيةٌ تميّزت بها أحياءُ المدينة، تُعزِّز التكاتف والترابط الاجتماعي والألفة بين الأهالي، وهي الإفطارُ الجماعي، وتهدف إلى تعميق التواصل بين أفراد المجتمع والتسامح فيما بينهم، في صورةٍ اجتماعيةٍ مشرقةٍ تميّز شهر رمضان بطابعه الخاص وقيمه الروحية عالية السمو.
وهي فرصةٌ سانحةٌ ليجتمع فيها الأهلُ والأصدقاءُ والجيرانُ على سُفرةٍ واحدة، في مظهرٍ اجتماعيٍّ إسلاميٍّ يُؤصِّل مكارمَ الأخلاق وجوامعها بصورةٍ عمليةٍ في المجتمع، تجعله أقربَ إلى بعضهم أكثرَ من أيّ وقتٍ مضى، وتعيد الودَّ والمحبّة في قلوب الناس. فكثيرًا ما تُجدَّد في مثل هذه اللقاءات علاقاتٌ قديمة، وتُزال خلافات، ويشعر الجميع بروح الأسرة الواحدة التي يجمعها الإيمان والمودّة.
كما يُسهم هذا الإفطار الجماعي في غرس قيم العطاء والتطوّع لدى الشباب والنشء، حين يشاركون في تنظيم الموائد وخدمة الصائمين، فيتعلمون من خلال ذلك معاني الإيثار والتعاون، ويستشعرون مسؤوليتهم تجاه مجتمعهم.
وهو مطلبٌ في السير على هذا النهج من أجل تعزيز وتقوية الروابط الأسرية، وزيادة صلة الرحم، والتقارب بين الجيران. ومن هنا، على مؤسسات المجتمع والجهات ذات العلاقة تشجيعُ وتحفيزُ ودعمُ مثل هذه المبادرات الخيّرة؛ حافزًا لاستمرارها وديمومتها.
وهنا نشيد بالجهود المبذولة من قبل جمعية مراكز الأحياء بالمدينة المنوّرة (مجتمعي)، التي تُشرف على تنظيم هذه الموائد خلال شهر رمضان المبارك في مختلف أحياء المدينة المنوّرة، يتشارك خلالها المواطنون والمقيمون في إعداد السُّفَر الرمضانية، وفي إطار مشروعاتها وبرامجها ومبادراتها النوعية لخدمة المجتمع، والمساهمة في تعزيز مشاركة الأفراد في تنمية المجتمع وتمكينه؛ ليكون لهم دورٌ إيجابيٌّ فيه.
كما أنّ هذه المبادرات تُجسِّد مفهوم العمل المجتمعي المنظّم، الذي يسعى إلى تحقيق التكافل والتعاون بين أفراد المجتمع، ويُسهم في تعزيز روح المسؤولية الاجتماعية، بما ينعكس إيجابًا على تماسك المجتمع واستقراره.
ونتطلّع في المستقبل إلى أن يصاحب مبادرة الإفطار الجماعي في أحياء المدينة أنشطةٌ وفعالياتٌ ثقافية واجتماعية ورياضية وغيرها، بما يتواءم مع الطابع الاجتماعي الذي يسود الشهر الكريم وأجوائه الإيمانية الروحانية، بحيث تتحول هذه اللقاءات إلى منصّاتٍ لتعزيز المعرفة وتبادل الخبرات وترسيخ القيم الإسلامية النبيلة.
وختامًا، تبقى المدينة المنوّرة في شهر رمضان نموذجًا حيًّا لمجتمعٍ متماسكٍ يجمع بين روح العبادة وسموّ الأخلاق، حيث تتجلّى فيها معاني الأخوّة والإيثار والكرم، ويعيش فيها الزائر والمقيم تجربةً إيمانيةً وإنسانيةً فريدةً تبقى ذكراها في القلوب طويلًا.
للتواصل :[email protected]




مقال جميل اخوي الكاتب والمذيع استاذ عبدالله مقال يعبّر بصدق عن روحانية شهر رمضان في المدينة المنورة، وما يميّزها من أجواء إيمانية وعادات أصيلة تعكس كرم أهلها ومحبتهم للخير. فقد أحسن الكاتب في تصوير مشاهد التكافل والإفطار الجماعي التي تُجسّد قيم الأخوة والتراحم بين الناس، وتعيد إحياء معاني الإيثار التي عُرف بها أهل المدينة منذ عهد النبي محمد وصحابته الكرام.
مقال ثري بالمعاني، يذكرنا بجمال رمضان في مدينة رسول الله، وبالقيم النبيلة التي ينبغي أن تبقى حيّة في مجتمعنا. 🌙