كتاب الرأي

متلازمة الحرف “فاء”

          ✍️ مها الشاعر – كاتبة سعودية :

وسط هذا الضغط الاجتماعي الذي أصبح أشبه بمثلث برمودا، والذي يكاد أن يبتلع عدد لا يستهان به من الباحثين على صورة أشبه ما تكون بالحلم، وذلك تحت وطأة مثلث شاشات الهواتف الذكية؛ “الفيلر، الفلتر، الفوتوشوب” .
تتوالى الدراسات الاجتماعية والطبية والنفسية التحليلية والتحذيرية منها، عن ازدياد مرتفع جداً في الإقبال على عيادات التجميل، بدرجة أصبحت أقرب إلى ما يعرف بهوس التجميل، وذلك نتيجة للتعرض المستمر إلى الصور المثالية ، عبر مواقع التواصل الإجتماعي وشاشات التلفاز، وأغلفة المجلات البالغة التحسين بالمؤثرات التجميلية، سواء عبر خدع المكياج أو عمليات الفوتوشوب.
والتي أصبحت أشبه بقناع زائف، ساهم في رسم هذه الصورة المثالية ، لوجه منحوت الجانبين، بعظمتين الخد البارزة، الأنف المرسوم الدقيق، الفك المحدد بالمسطرة والقلم، وغيرها مما نجحت في الترويج له عدد من الجهات المعنية بهذا.
وكما ذكر في موقع Royal Society Publishing والذي ناقش هذا الموضوع في دراسة تحليلية من جانب هالة الجاذبية ومدى إنعكاس تأثيرها النفسي، والتي هي ناشئة عن الصورة الجميلة سواءً كحقيقة أو نسخة محسنة بأدوات التجميل، مثل مساحيق التجميل والعمليات الجراحية التجميلية، أو عن طريق مرشحات التجميل الرقمية والتي ظهرت في العشر سنوات الأخيرة والتي تعرف بـ “الفلاتر” و اقتبس مما ذكر فيه التالي؛
“علاوة على ذلك، تُستخدم فلاتر التجميل على نطاق واسع في العالم الرقمي، وتلعب دورًا هامًا في تشكيل معايير الجمال المعاصرة وتصوراتها ، ورغم ثبوت تأثيرها العميق على طريقة عرض المستخدمين لأنفسهم – مما يثير تساؤلات حول المصداقية ، والثقة بالنفس ، والصحة النفسية، والتنوع ، والعنصرية – إلا أن هناك نقصًا في الأبحاث حول كيفية تأثيرها على تصورات الجاذبية والتحيزات المعرفية المرتبطة بها لدى الأفراد أنفسهم.
كما تبرز الحاجة إلى دراسة تأثير هذه المظاهر المُحسّنة على كيفية إدراك المستخدمين والحكم عليهم في البيئات الرقمية، سواء من قِبل البشر أو خوارزميات الذكاء الاصطناعي.
بسبب هذا التحيز المعرفي، المعروف بتأثير هالة الجاذبية ، يُنظر إلى الأشخاص ذوي الجاذبية الجسدية على أنهم أكثر ذكاءً، وأكثر سعادة ، وأكثر جدارة بالثقة ، وأكثر اجتماعية وجاذبية ، وأفضل تكيفًا، وأكثر نجاحًا في الحياة بشكل عام ، مقارنةً بالأفراد الأقل جاذبية.
يؤثر هذا التأثير على جوانب مهمة من حياتنا، إذ يُعتقد أن الأفراد الجذابين أفضل في الدراسة أو السياسة، وأكثر تأهيلًا للوظائف ككل، وأكثر حظًا في الحصول على ترقيات، ورواتب أعلى، أو أحكام قضائية مخففة من غيرهم.”
ولعل هذا من أهم أسباب اللهث المستمر للحصول على هذه الصورة المتكاملة، وإن كانت النتائج عكسية و مخيبة للآمال في حالات كثيرة، مما يجعل معظمهن حبيسة عيادات وغرف التجميل.
عمليات التجميل ليست بالأمر الحديث ، بل كانت موجودة منذ القدم وتم ذكرها والنهي عنها في القرءآن الكريم والسنة النبوية قبل ١٤٠٠ عام من الآن ..
وذكر ذلك في قوله تعالى ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ سورة النساء – الآية 119
وكذلك حديث المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه فيما روي عن ابن مسعود رضي الله عنه : (لعن الله الواشمات والمستوشمات، والنامصات والمتنمصات ،والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله) .
نحن اليوم أصبحنا لا نعاني فقط من كثرة الأشكال المتطابقة، والنسخ واللصق، والتي قل مازال هناك من يجيد التمييز بين هذه وتلك ، نفس الأنف،العين،الفك،الجبهة، المبسم، الملبس وإلى آخره.
المشهد أصبح أقرب إلى تلوث بصري، حتى كاد الجمال الحقيقي يفقد مزيته بين كل هذه النسخ.
ولكن الأمر الأكبر أثراً من ذلك هو بأن أصبح تغيير خلق الله يصنف بأنه حرية شخصية، مثله مثل الحجاب وغيره من الأمور الدينية، والتي لا أعلم كيف بقدرة قادرة خرجت من دائرة الحلال والحرام إلى هذه الدائرة.
و التي أصبحت كل من اختارت ما يعارضها ، تعلق عليها أهواءها النفسية ، عافانا الله وإياكم .
ومما يخفى على الكثير بأن هناك مضاعفات طبية خطيرة جداً، لمن تكثر من ارتياد هذه العيادات دون معرفة آثار ومضاعفات مثل هذه العمليات ، وقد تكون الأكثر عرضه لها هي من تتجه للعيادات التي تفتقر لأخلاقيات المهنة والمصداقية بالتحذير من مثل هذه المخاطر.
فكثيراً ما ينتج عن مثل هذه العمليات ضعف المناعة العامة، مما يجعل الجسم أكثر عرضة للإصابة بالعدوى، والتهاب الأعصاب وفقدان الإحساس وكثرة التنميل، وضعف التحكم بعدد من الحواس.
وكذلك التجمعات الدموية والتعرض لجلطات الرئة والأوردة، وتكثر مثل هذه الإصابات في عمليات تجميل كتلة الجسم، مثل عمليات النحت ، وشفط الدهون والتعبئة أو النفخ، بالحقن أو غيره من الجراحات الأخرى.
وأيضاً من الأضرار الناجمة تلف في بعض الأعضاء الداخلية، مثل عمليات التكميم وقص المعدة وتحويل المسار، وكذلك عمليات تجميل الأنف وشد الجفون وما هو على قياسها من باقي الأعضاء الأكثر حساسية لمثل هذه العمليات .
وهذا مما لا يعرفه الكثير ممن هم أصغر سناً وأقل وعياً، والذين يعتبرون هم الأكثر تأثراً بهذه الموجة.
والتي هي بالمقام الأول أصبحت كباقي العمليات الاستهلاكية لدعم أحد أهم مسارات الإقتصاد النفعي مؤخراً، ألا وهو الطب التجميلي.
إعلانات مدفوعة تعرض في معظم التطبيقات، وفي حسابات من تطلق على نفسها مسمى “البلوقرز أو المودل” على مدار الساعة .
أوجه معرضة باستمرار للحقن، والقص واللصق والحشو والشفط، والدافع مادي بحت.
وإن عدنا للحق هي غير ملامة في ذلك، فقد يكون هذا هو مصدر الرزق الوحيد لديها.
فلا بد من التوعية لمثل هذه الفئة، سواءً الفئة الأصغر عمراً أو الأقل وعياً بغض النظر عن فارق العمر، والتذكير بأحكامها الشرعية قبل كل شيء ، ومن ثم الأضرار النفسية أو الطبية، والتي قد لا يكون هناك طريق للخلاص منها سوى الإستمرار في هذا الطريق، مرغمين غير مختارين.
فطريق الرجعة ومع الأسف الشديد قد رُصِّف مغلقاً، بكم هائل من الحقن والتعبئة والشفط.
فتظل الواحدة منهن تدور بدائرة مغلقة، وهذا مما لن يخبروكم عنه بمصداقية من هم عالقون بهذه الدائرة.
وأسقطت نون النسوة هنا عمداً، لأن الأمر لم يعتد يقتصر على الجانب النسائي ، فهناك عدد ليس بالقليل من الجنس الآخر أيضاً اصبحوا من مرتادي هذه العيادات بكثرة، ولكن هذا ليس بمحور حديثنا اليوم .

“أشارت (Wolf,2013) في كتاب “The Beauty Myth” إلى أنه كل يوم، تواجه النساء في جميع أنحاء العالم معضلة كيف ينظر الناس لهن، ففي مجتمع منغمس في عبادة الجمال الأنثوي والشباب، يكون الضغط مرهقًا على النساء للتوافق جسديًا مع معايير الجمال السائدة، إذ تكشف نعومي وولف عن استبداد أسطورة الجمال عبر العصور ووظيفتها القمعية اليوم في المنزل والعمل، وفي الأدب والإعلام، وفي العلاقات بين الرجال والنساء، وبين النساء والنساء.
وبناء على ذلك تعد هذه الخطوة جوهرية للتخلص من هوس عمليات التجميل، لأن الأفكار هي المحرك الأساسي للسلوكيات، لذا يمكن أن يساعد تغيير مفهوم الجمال في التحرر من هوس عمليات التجميل.”

وبعيداً عن تأثير مواقع التواصل الإجتماعي في رسم صورة مثالية للجمال، لا نغفل بأن كثير من الدراسات تعزي هذا السلوك إلى اضطراب التشوه الجسدي BDD، أو نتاج تبعات ما يعرف في علم النفس بصدمة الطفولة، وكذلك التعرض للرفض سواءً في علاقات اجتماعية أو مهنية، وهذا مما يجعل لدى الشخص المعرض للرفض تصور دائم بأن تحسين المظهر الخارجي قد يرفع من معدل القبول لدى الآخر.

ما بين تاءٍ وياء:
ما بين تاء الفلتر وياء الفيلر، سُحقت كثير من النساء والفتيات تحت هيمنة وسطوة صولجان الصورة المثالية.
فالأمر لم يعد ظاهرة اجتماعية وحسب، بل أصبح أشبه بعائق نفسي واجتماعي خطير جداً أمام الكثير منهن.
فأصبحن الكثير تحت وطأة البحث عن الصورة المفلترة، منشغلين بها عما هو أهم .
ألا وهو تغذية الجانب الإنساني الأكثر أهمية، وبناء الثقة النفسية المتزنة ، والمنظومة الفكرية والأخلاقية الراسخة ، والمتوافقة مع عصر ثورة المعرفة الطاغية، ونهج أخلاقياتنا الإسلامية والمجتمعية قبل ذلك.
فالإنسان ليس فقط حاجب وذقن، الإنسان خُلق ليكون أكثر من ذلك ، نساءً ورجالاً.
وإن كانت المرأة أكثر حضوراً في هذا، وليعذرني في ذلك كل ذي لحية وشارب من الإخوة الكرام.
فالمرأة هي من تنجب نصف المجتمع، وهي التي تربي النصف الآخر ، وهي المدرسة التي إن أعددتها أعددت شعباً طيب الأعراق، كما تغنى بذلك الشاعر حافظ إبراهيم رحمة الله عليه .
فلا ينبغي أن تحصر المرأة في دور عارضة الأزياء، حتى وهي تمارس مهامها الاجتماعية اليومية كأم أو أخت أو زوجة، أو حتى عاملة ومربية.
أي نعم الجمال ملفت للقلوب قبل الأنظار، وإن الله جميل يحب الجمال سبحانه جل في علاه – ولله المثل الأعلى – .
وأي نعم المظهر الحسن نعمة، وكلمة تسبق صاحبها بالقول في غالب الأحيان.
لكن لا قيمة لهذه ولا تلك إن وافقت عقل فارغ، وخلق ذميم، وما المرء إلا انعكاس داخله مهما اجتهد في تحسين وتلميع ظاهره.
ما تحدثه فلاتر سناب شات، ومشارط وحقن جراحو التجميل لن يغير من الحقيقة شيء، إن كان الباطن ممتلئ حقد وغل، حسد وغيرة، وثقة مبنية على أساس مهزوز، وقلب يرتجف دائماً خيفة الرفض، الحكم من الآخرين، والنفي خارج المنظومة إن لم يتوافق مع مقاييس الجمال أو الجاذبية المتعارف عليها هناك.
فتكون تلك المتألمة اليائسة في حالة ركض مستمر للوصول لهذا النموذج “المفلتر”، بحثاً عن القبول ولفت الإنتباه.
أحسن الكثير منا في استخدام هذه الفلاتر التجميلية، والتي تصور البشرة في غير لونها ومظهرها، والوجه بغير هيئته وملمحه.
ولكم تمنيت بأن من أحسن إلينا وعلمنا هذا، أن يساعدنا باستبدال هذه الفلاتر بفلاتر أخلاقية، فنحن أحوج ما نكون لهذه من تلك.
في زمن أصبح فيه المبارزة لأحكام الدين وأعراف المجتمع هو حرية شخصية، ومن يبادر بالنصيحة بدافع المحبة وحب الخير للغير ، هو شخص متطفل ولا أخلاقي.
وقبل الختام أود الإشارة هنا؛ بأن كل ما سبق ذكره ، هو موجه لي أنا محدثتكم .. قبل الآخر.
سلمنا والله إياكم من الفلاتر وأعقابها.

“إذن، فإن الجمال الحقيقي لا يُحقن بالإبرة، ولا يُنحت بالليزر، بل يُولد من توازن داخلي بين الرضا والصحة النفسية، والإدراك الواقعي للذات.
لستَ بحاجة لأن تشبه أحداً لتكون جميلاً، فقط كن سليم النفس، مُتصالحاً مع ذاتك، وعندها ستصبح صورتك أكثر صفاءً من أي مرآة.”
استشاري طب المجتمع د.عبدالحفيظ يحيى خوجة

للتواصل مع الكاتبة:
[email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. شكرا للأستاذة مها الشاعر على هذا المقال المتميز والذي يعالج واقع اجتماعي وقع فيه بعض النساء هوس عمليات التجميل وتغير خلق الله قال الله تعالى
    ( لقدخلق الإنسان في أحسن تقويم) فالله عزوجل خلق الإنسان في أحسن صوره، ،لكن للأسف البعض يتجرأ على خلق الله ويخالف امره الله القائل
    (ولاتلقوا بايديكم الى التهلكه)
    جسد المرأة وجسد الرجل امانه يجب المحافظة عليه

    1. شكراً أخي الإعلامي و الكاتب أ.يوسف الطامي وهذا بعض مما لديكم بارك الله فيكم .. ونفع بعلمكم ..
      أنتم قامة إعلامية ونحن لازلنا بأول الطريق ونجتهد .. ونقتدي بالقدوات أمثالكم من أهل العلم والدين ..
      شهادة اعتز بها من قامة إعلامية مثلكم في بداية مسيرتي الكتابية..
      جزيل الشكر والإمتنان لمروركم الكريم 🙏🏽

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى