كتاب الرأي

رمضان… شهر العبادة لا شهر الاستنفار

     ✍️أ. غميص الظهيري- كاتب  سعودي :

يحلّ علينا شهر رمضان كل عام، شهر الصيام والرحمة والمغفرة، حاملاً معه فرصة عظيمة لمراجعة النفس وتهذيب السلوك. غير أنّ ما نشهده في واقعنا اليوم يثير كثيرًا من التساؤلات حول طريقة استقبالنا لهذا الشهر الفضيل.
فما إن يقترب رمضان حتى تعمّ حالة من الاستنفار في البيوت والأسواق؛ ازدحام شديد، عربات تسوق ممتلئة، وسباق محموم على شراء كل ما لذّ وطاب، وكأن المتاجر ستغلق أبوابها طوال الشهر. تُجهَّز الفريزرات لاستيعاب كميات تفوق الحاجة، وتتحول المطابخ إلى ساحات عمل متواصلة منذ ساعات الظهيرة.
وهنا يبرز السؤال: ماذا حلّ بنا؟
ألم يكن رمضان شهر عبادة قبل أن يكون شهر موائد؟ أليس طعامه فطورًا وعشاءً كما سائر الشهور؟ فلماذا هذا الهلع، ولماذا هذا الهدر الذي لا ينسجم مع روح الصيام ولا مع مقاصده؟
لقد دعانا الله تعالى إلى الاعتدال ونبذ الإسراف، فقال عزّ وجل:
﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: 31].
وخيرات بلادنا متوفرة، والأسواق عامرة، وتجارب السنين تشهد بأن جزءًا كبيرًا من هذه المشتريات يفسد ويُرمى. نقف ساعات طويلة أمام صناديق المحاسبة، نرهق أنفسنا ونرهق غيرنا، ثم ينتهي كل هذا العناء بتمرة، أو كأس عصير، أو لقيمات قليلة لا توازي حجم التعب ولا حجم الإسراف.
أما في البيوت، فحالة الاستنفار لا تقل حدّة؛ أصوات الأواني، وحرارة المواقد، وإجهاد يومي يتكرر، لينتهي الإفطار ببساطة لا تعكس حجم الجهد المبذول. وكل ذلك في شهر يفترض أن يكون شهر سكينة، وتخفيف، وتقرب إلى الله.
وقد نبّهنا النبي ﷺ إلى خطورة الامتلاء والإفراط، فقال:
«ما ملأ آدميٌّ وعاءً شرًّا من بطنه، بحسب ابن آدم لُقيمات يُقِمْنَ صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنَفَسه» رواه الترمذي.
إنّ استقبال رمضان بهذا الشكل يحوّل العبادة إلى عادة، والسكينة إلى توتر، والبركة إلى استنزاف، ويُفرغ الصيام من معناه الحقيقي.
النصيحة الختامية:
فلنُحسن استقبال رمضان كما أراده الله، بهدوء ووعي، ولنجعل التسوق بقدر الحاجة، والطعام وسيلة لا غاية، ولنخفف عن بيوتنا وأجسادنا، ونفسح المجال لقلوبنا لتعيش روح هذا الشهر. فرمضان لم يُشرع لإرهاق الجسد، بل لتزكية النفس، ولم يُفرض لتكاثر الموائد، بل لتهذيب السلوك وتعميق التقوى.
رمضان فرصة عظيمة… فلنستقبله بلا استنفار.

للتواصل مع الكاتب  : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. الكاتب تطرق لعدة امور في مقاله
    نصائح وتوجيهات وبعض السلوك غير السوي في الاستعداد لشهر الخيرات والبركات
    وهذا من حرصه على استغلال هذا الشهر والاستثمار بعمل الصالحات ووالعبادات
    شكرا للكاتب غميص الظهيري
    ولصحيفة عنوان

  2. شهر رمضان شهر عبادة وتقرب إلى الله يتعلم فيه المسلم الصبر والشعور بالآخرين الا ان بعض الناس مثل ماتفضل كاتبنا الرائع يحولون هذا الشهر المبارك إلى موسم للاسراف في الطعام خاصة في موائد الافطار والسحور ..

    فنجد الموائد مليئة بانواع كثيرة من الاطعمة والمشروبات أكثر مما يحتاجه الانسان وينتهي الامر بإلقاء كميات كبيرة من هذ الطعام في القمامة اعزكم الله وهذا السلوك يتعارض مع تعاليم الاسلام التي تدعو إلى الاعتدال وعدم التبذير فقد قال الله تعالى: “وكلوا واشربوا ولا تسرفوا”..

    كما ان الاسراف في رمضان يرهق ميزانية الاسرة لذا يجب علينا ان نُعيد لرمضان معناه الحقيقي وان نحرص على الاعتدال في إعداد الطعام فنأكل بقدر الحاجة ونشارك الفائض مع المحتاجين ليبقى رمضان شهر الخير والرحمة
    لاشهر الاسراف والتبذير ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى