كتاب الرأي

من أبرق الكبريت إلى واحة الأحساء… رحلة في ذاكرة الكرم

✍️أ. د. محمد شايع الشايع- كاتب وأكاديمي بجامعة الملك سعود :

بعض الرحلات لا تنتهي عند المكان الذي يصل إليه المسافر، بل تبدأ منه حكاية جديدة، وبعض الأماكن لا تكتفي بأن تستقبل الإنسان، وإنما تمنحه مع مرور الأيام فرصة ليصبح جزءا من ذاكرتها. ولعل الأحساء واحدة من تلك الأمكنة التي عرفت كيف تحتضن القادمين، وكيف تحول الغريب إلى قريب، والعابر إلى مقيم، والمقيم إلى رجل يرتبط بالمكان وأهله وعاداته.

وحين تذكر الأحساء، لا يحضر المكان وحده، بل يحضر معه إنسانها، بوجهه البشوش، ومجلسه المفتوح، وفنجان قهوته الذي يسبق كلماته. فالأحساء ليست واحة نخيل وماء فحسب، بل واحة من القيم والعادات الجميلة، وذاكرة اجتماعية صنعتها أجيال متعاقبة، حتى أصبحت الضيافة فيها جزءا من هوية المكان وسيرة أهله.

النخلة في الأحساء ليست شجرة فحسب، بل شاهد على علاقة الإنسان بأرضه، والماء ليس موردا طبيعيا فقط، بل سر من أسرار الحياة التي صنعت من هذه البقعة واحة نابضة في قلب الصحراء. وبين البساتين والعيون والأسواق والمجالس، نشأت حياة اجتماعية واقتصادية متماسكة، كان فيها العمل والتجارة والعلاقات الإنسانية وجها واحدا من وجوه الحياة.

ومن هنا يمكن فهم جانب مهم من تاريخ الأحساء، فاقتصادها لم يكن منفصلا عن مجتمعها، والأسواق لم تكن مجرد أماكن للبيع والشراء، بل فضاءات للتعارف وتبادل الخبرات وبناء الثقة. وكان المجلس امتدادا للسوق، والسمعة الطيبة رأسمالا اجتماعيا، والكرم جسرا يعبر عليه الناس إلى علاقات أطول من لحظة اللقاء.

ومن هذه البيئة خرج رجال أسهموا في اقتصاد الأحساء وتنميتها، ولم يكن أثرهم محصورا في أعمالهم ومشروعاتهم، بل امتد إلى المجتمع، وإلى نشر ثقافة المكان، والمحافظة على قيم الكرم والوفاء وحسن الجوار. رجال أصبحت سيرهم جزءا من ذاكرة الأحساء، لأنها لا تقيس أثر الإنسان بما يملك فقط، وإنما بما يتركه خلفه من علاقات وقيم وذكريات.

ومن بين هذه السير تبرز سيرة صنيتان بن طوالة ابو عجلان، فمن مكان بعيد عن الأحساء، من أبرق الكبريت مسقط رأسه ولادة خير في سماء مجتمعه، ورحلة طفولة بكنف والده بمناطق الشمال، قبل أن يستقر به المسير في واحة الأحساء.

لم تكن الرحلة مجرد انتقال جغرافي، بل كانت رحلة حياة. جاء إلى الأحساء ومعه ذاكرة المكان الذي نشأ فيه، ثم وجد في الواحة بيئة احتضنته، فامتزجت ذكريات الشمال بتجربة الأحساء، وأصبح المكان الجديد مع الزمن موطنا حقيقيا، لا مجرد محطة في طريق طويل.

لكن الحياة لم تمنحه طريقا سهلا، فقد تجرع في مقتبل العمر مرارة الفقد، ووجد نفسه أمام مسؤولية أسرته في وقت مبكر. وفي مثل هذه اللحظات تظهر معادن التربية وحسن اختيار الاخوال وتوفيق الله، وبناء شخصية المروءة والرجولة، فالفقد قد يكسر الإنسان، وقد يدفعه إلى القوة وتحمل المسؤولية. وقد اختار صنيتان الطريق الثاني مع والدته متعها الله بالصحة، فتحمل مسؤولية أسرته، وشق طريقه بالعمل، وظل الأصل الطيب والكرم عنوانا لحضوره بين الناس.

وهنا تتقاطع سيرته مع روح الأحساء. فالرجل الذي قدم إليها من الشمال لم يأت إليها بجسده فقط، بل حمل معه قيما وتقاليد، ثم أخذ من الواحة روحها، حتى أصبح واحدا من الوجوه المرتبطة بالمكان. كان العمل جزءا من مسيرته، وكانت العلاقات الاجتماعية جزءا من نجاحه، وكان مجلسه مساحة مفتوحة للناس، يجتمع فيه القريب والبعيد، وتبنى فيه المودة، وتحفظ فيه الذكريات.

فالكرم الحقيقي لا يقاس بما يقدم على المائدة، وإنما بما يشعر به الضيف وهو يجلس بين أهله، وبالترحيب الذي يسبقه، وبالود الذي يبقى بعد أن يغادر. وهذه الثقافة منحت الأحساء جزءا كبيرا من جمالها الاجتماعي، فالمضيف الأحسائي لا يفتح بابه للضيف فحسب، بل يفتح له مساحة في الذاكرة.

واليوم، والأحساء تعيش مرحلة واسعة من التنمية والتحول الاقتصادي والثقافي وتسجيلها في منظمة اليونسكو، فإن استحضار سير رجالها ليس مجرد استعادة للماضي، بل قراءة لمقومات القوة التي يمكن أن تستند إليها التنمية الحديثة. فالمكان الذي حفظ قيمه عبر الأجيال قادر على دخول المستقبل بثقة، لأن التنمية لا تقوم على الاقتصاد وحده، وإنما تحتاج إلى مجتمع متماسك، وذاكرة حية، وقيم تحافظ على الإنسان في قلب التنمية.

ولهذا فإن استحضار سيرة صنيتان الطوالة هو محاولة لقراءة الأحساء من خلال رجل عاش تحولات المكان، وأسهم في حركته الاقتصادية والاجتماعية، وحمل ثقافة الكرم من جيل إلى جيل. بدأت حكايته من أبرق الكبريت، وامتدت عبر مناطق الشمال، ثم استقرت الرحلة في واحة الأحساء، لكن الاستقرار لم يكن نهاية الطريق، بل بداية انتماء جديد.

الأحساء في النهاية ليست واحة نخيل وماء فقط، وليست أسواقا وبيوتا ومزارع، إنها حكاية إنسان صنع من الماء حياة، ومن النخلة رزقا، ومن التجارة اقتصادا، ومن المجلس علاقة، ومن الكرم هوية.

وفي سيرة صنيتان الطوالة، من أبرق الكبريت إلى واحة الأحساء، نقرأ فصلا من هذه الحكاية، فصل رجل عرف مرارة الفقد مبكرا، فتحمل المسؤولية، وشق طريقه بالعمل، وظل يحمل معه أصله الطيب وكرمه، حتى أصبح جزءا من ذاكرة المكان.

وهكذا تبقى الأحساء، واحة لا يسكنها الناس فقط، بل تسكنهم هي أيضا، وتترك في وجدانهم شيئا من نخيلها، وشيئا من مائها، وشيئا من مجالسها، وشيئا أكبر من ذلك كله… كرم أهلها.

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى