
✍️ أحلام أحمد بكري – كاتبة وقاصة :
أثارني سؤال من متابع عبر صفحة من صفحات تواصلي الاجتماعي وطلب مني الإجابة ، وأثرت أن أجيبه عبر هذه المقالة لأن سؤاله أثار مُخيلتي وحفّز الأفكار في عقلي..
السؤال:متى يخاف الإنسان من نفسه ومتى يخاف عليها..؟
وقبل الإجابة علينا أن نعرف مصطلح (الخوف) من المنظور النفسي هو حالة انفعالية أساسية تنشأ استجابةً لإدراك الإنسان لتهديد سواء كان حقيقيًا أو متخيَّلًا ويُصاحبه تغيُّرات -وجدانية ومعرفية وسلوكية وجسدية- تدفع الفرد إلى تجنُّب الخطر أو مواجهته ..
للخوف مكونات نفسية أولها الوجدان: وهو شعور ذاتي بالتهديد أو الرهبة أو الضيق..
ثانيها المعرفة: ويتضمن توقعات وتخيّلات حول الأذى المحتمل ، ومن خلالها يتم تقييم الموقف على أنه خطر..
ثالثها السلوك: وهو نمط استجابة من الإنسان من خلال تجنّب الخطر بالهروب أو المواجهة أو الجمود..
رابعاً الجسد: يحدث فيه استثارة فسيولوجية تُهيّئ الجسم للتعامل مع الخطر..
ويُعدّ الخوف أحد الانفعالات الفطرية الأساسية التي يشترك فيها البشرية والكائنات الأخرى..
للخوف وظيفة نفسية فهو انفعال تكيّفي يحمي الفرد من الأذى ، ويُنظّم سلوكه تجاه المخاطر ، لكنه يصبح مرضيًا حين يتجاوز حدّه التكيفي..
وهنا يجب أن نفرق بين الخوف الطبيعي المؤقت ، المتناسب مع الخطر ، الذي لا يعيق أداء الإنسان في الحياة ، وبين الخوف المرضي (الرهاب/الفوبيا) المبالغ فيه ، المزمن الذي يؤثر على جودة حياة الإنسان..
الخوف داخل الإنسان يتشكل لعدة أسباب منها خوف دفين كذكريات وخبرات طفولية مكبوتة في النفس ، أو خوف ناتج عن تهديد للحاجة إلى الأمان أو تقدير الذات ، الخوف ناتج عن تقييم معرفي لموقف خاطئ أو مبالغ فيه لدرجة التهديد ، أو الخوف الناتج عن معتقدات وتوقعات سلبية ، أو الخوف الناتج عن تفاعل بين الأفكار والمشاعر والسلوك ، حيث تُغذّي الأفكار السلبية الخوفَ و تُعزّزه بدورها..
نأتي الآن للإجابة على متابعي الكريم ، فمن وجهة نظري إن الخوف الرئيسي على الإنسان ليس من -المحيط الخارجي- بل الخطر الحقيقي يصدر من -داخل الإنسان- ومن نفسهُ ، وممكن أن أبسطها من خلال كلام الله عزّ وجلّ الذي وصفها بالنفس (الإمارة بالسوء ثم بالنفس اللوامة والنفس المطمئنة)..
قارئي الكريم عليك أن -تخاف من نفسك- إذا كنت في حالة النفس (الأمارة بالسوء) ، عندما تكون نفسك منقادة لشهواتها ورغباتها وتزينه لك ، وتأمرك باستمرار بفعل المعاصي والشر ، وتمنعك عن الخير والطاعة ، وقد وردت هذه النفس في سورة يوسف على لسان امرأة العزيز حين قالت:
﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي ۚ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (يوسف: 53)
معنى “أمّارة” في اللغة تدل على المبالغة في الأمر ، أي أنها كثيرة الأمر بالسوء ، لا تكتفي بأمر واحد ، بل تُلحّ وتُكرّر وتُزيّن المعصية حتى يقع فيها الإنسان أكثر من مرة..
فالنفس (الأمّارة بالسوء) ليست قدراً محتوماً ، بل هي حالة قابلة للترويض والتزكية من خلال (النفس اللوامة) حتى تصل إلى مرتبة (النفس المطمئنة)..
ننتقل لحالة -الخوف على نفسك- وهي الانتقال إلى حالة الإدراك بعد الوقوع في الخطر ومعرفة أنك وقعت في المحذورات ، هذه الحالة تُسمى (النفس اللوامة)..
أقسم الله بها ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ (القيامة: 2)، وهي التي تلوم صاحبها بعد التقصير والوقوع في المعصية واكتساب الكثير من الذنوب ، هذه المرحلة تحتاج الكثير من العمل عليها لنصل لمرحلة (النفس المطمئنة) لذا هي مرحلة -الخوف على نفسك- هل أنت قادر و تستطيع تطهيرها وتجاوز هذه المرحلة أم يعتريك الضعف وتعود للنفس (الأمارة بالسوء) عند هذه النقطة نقف عن حدود الخوف على النفس..
في مرحلة النفس اللوامة نحتاج التالي:
1. المجاهدة: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ (العنكبوت: 69)
2. ذكر الله: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (الرعد: 28)
3. الدعاء والاستعانة بالله، كما في قوله ﷺ: “اللهم إني أعوذ بك من شر نفسي”
4. المحاسبة والمراقبة ، ومخالفة الهوى من خلال الادراك والوعي الكامل بضبط أنفسنا..
كي نصل لمرحلة طرد الخوف وهي مرحلة النفس الهادئة المُنعّمة في كنف الله ورعايتهُ ، المطمئنة ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ (الفجر: 27)، وهي التي سكنت إلى الله واطمأنت بذكره..
وما أجمل أن تكون نفوسنا مطمئنة قريبة من خالقها عزّ وجل.!
عندها لن يعرف الخوف طريقنا ، فنحن في رعاية الله سبحانه وتعالى..
للتواصل : [email protected]



