
عنوان – غرفة الاخبار :
في تاريخ القوات المسلحة السعودية، تقف بعض الشخصيات القيادية كأحجار زاوية في مواجهة الأزمات الأمنية غير النمطية والظروف الاستثنائية المعقدة، ويبرز اسم اللواء فالح الظاهري كأحد أبرز القادة الميدانيين الذين اقترنت أسماؤهم بواحدة من أصعب العمليات العسكرية وأكثرها تعقيدًا؛ عملية اقتحام وتطهير المسجد الحرام من الفئة الباغية بزعامة جهيمان العتيبي في عام 1400هـ.
جمع الظاهري، الذي توفي في جدة قبل أيام، بين التأهيل الأكاديمي المتقدم في أرقى الكليات العسكرية الدولية، والجسارة القتالية الميدانية في الخطوط الأمامية، مخلفًا إرثًا ارتبط بأحد أبرز الأحداث التي شهدها العصر الحديث.
الجذور والتكوين العسكري الصارم
وُلد فالح بن محمد بن مناور الظاهري، في مكة المكرمة في 16 ذي القعدة 1358هـ، ونشأ في بيئة عسكرية انضباطية؛ إذ كان والده ضابطًا في الجيش السعودي، خدم في أواخر عهد الملك عبدالعزيز وتقاعد برتبة رائد في عهد الملك سعود، وبسبب طبيعة تنقلات والده العسكرية، نشأ في مدينة أبها بعسير وتلقى فيها تعليمه العام قبل أن يختار الانخراط في السلك العسكري.
تخرج الظاهري في المدرسة العسكرية بالطائف، التي كانت النواة الأولى لتعليم الضباط قبل نقلها للرياض وتحويلها إلى كلية الملك عبدالعزيز الحربية، ضمن الدورة رقم (10)؛ وشهدت مسيرته تدريبًا مكثفًا في علوم المناورة والقتال الخاص، حيث حصل على دورة القفز المظلي، والدورة التأسيسية لضباط المشاة، ودورة الفدائيين “القوات الخاصة” المتخصصة في حرب العصابات والقتال القريب في الأماكن المغلقة، فضلًا عن الدورة المتقدمة لضباط المشاة في المملكة وأمريكا، وتوّج هذا المسار العلمي بنيله درجة ماجستير العلوم العسكرية بعد إتمامه دورة القيادة والأركان في الولايات المتحدة.
مسيرة المناصب والخبرات القيادية
تقلد اللواء فالح الظاهري العديد من المناصب التنفيذية والتخطيطية الحساسة داخل هيكلية القوات المسلحة ووزارة الدفاع؛ حيث تولى قيادة جناح المعلومات بمدرسة المشاة لتطوير المناهج الاستخباراتية والتكتيكية للضباط، وعُيّن مديرًا لإدارة المساعدات الخارجية بوزارة الدفاع والطيران، وهو المنصب الذي عمل فيه على مقربة مباشرة من الأمير سلطان بن عبد العزيز وزير الدفاع والطيران آنذاك، كما تولى إدارة التدريب للقوات البرية لرسم السياسات التدريبية الميدانية.
وفي مرحلة مفصلية من حياته، تولى برتبة عميد ركن قيادة لواء الملك عبد العزيز الآلي العشرين بتبوك، وهو اللواء المدرع الضارب الذي انطلقت منه قواته نحو مكة المكرمة لحسم فتنة الحرم، وعقب نجاحه الميداني، كُلّف بقيادة المنطقة الشمالية الغربية بتبوك في عهد الملك خالد بن عبد العزيز، وختم مسيرته العسكرية بتوليه قيادة كلية الملك عبد العزيز الحربية.
النداء الطارئ واستدعاء “لواء تبوك”
في فجر اليوم الأول من محرم عام 1400هـ، أقدمت جماعة جهيمان العتيبي على احتلال المسجد الحرام، وإغلاق أبوابه، واحتجاز المصلين، وأمام هذه المفاجأة الأمنية الصادمة في أقدس بقاع الأرض، صدرت الأوامر العاجلة قبل ظهيرة اليوم الأول بتحريك تشكيلات ومدرعات لواء الملك عبد العزيز الآلي بقيادة العميد الركن فالح الظاهري من تبوك.
نُقلت القوات وآلياتها عبر طائرات النقل الجوي والتحرك البري، لتصل إلى مشارف مكة المكرمة وتدخلها مع فجر اليوم الثاني لبدء عمليات التطويق والمناورة، وأُقيم مقر القيادة الميدانية المشتركة في قصر شبرا بالشامية بإشراف مباشر من الأمير سلطان بن عبد العزيز والأمير نايف بن عبد العزيز.
وإثر تلقي التكليف وصدور فتوى هيئة كبار العلماء التي أجازت قتال المسلحين داخل الحرم، إن هم أصروا بعد دعوتهم إلى الاستسلام، انطلقت القوة المدرعة بكامل ثقلها، وقد أُذيعت دعوة الاستسلام عبر مكبرات الصوت، فلما رُفضت استُهدفت المآذن لتحييد القناصة، وفُتحت ثغرة في ممر الصفا والمروة، وتمت استعادة الساحات العليا للحرم، ثم ملاحقة المخربين المسلحين بعدما فروا إلى شبكة القبو المعقدة تحت المسجد، وتطهير المسجد منهم تمامًا.
مراحل معركة الحرم وتحديات القبو الخرساني
تدرجت عمليات السيطرة والتطهير الميداني على مدار عدة أيام وفق خطة مرحلية محكمة، حيث تم تطويق الحرم في اليومين الأول والثاني ومواجهة القناصة المتحصنين في المآذن، مع التعامل مع انقطاع الكهرباء الذي أغرق الحرم في الظلام.
وفي اليوم الثالث اقتحمت القوات الدور الثاني عبر باب المروة لتطهره بالكامل جنبًا إلى جنب مع السطح والمآذن، وخلال استطلاعه الميداني من إحدى الشرفات العلوية، تعرض العميد الركن فالح الظاهري لإصابة بطلق ناري، وفي اليوم الرابع تم تطهير الدور الأرضي وصحن المطاف، واضطر أفراد الفئة الباغية للتراجع والتحصن الكامل داخل القبو.
وهنا بدأت أعقد مرحلة في المعركة؛ إذ تميز القبو بوجود نحو 225 خلوة وغرفة خرسانية، ذات ممرات ملتوية وأبواب شديدة التحصين، وتعمد المسلحون قطع التيار الكهربائي للقتال في الظلام، واستغلال سواتر جدارية بارتفاع 90 إلى 130 سم للاحتماء وقنص القوات، كما أضرموا الحرائق في السجاد لحجب الرؤية بالدخان الكثيف، وبعد الصعوبات التي واجهت القوات المقتحمة، كُلّف العميد الركن فالح الظاهري بوضع خطة عسكرية حاسمة لاقتحام القبو وتطهيره مع الالتزام بالتعليمات المشددة للحفاظ على سلامة المبنى وتقليل الخسائر والقبض على أكبر عدد من المسلحين أحياء.
استمرت عملية تطهير القبو 18 ساعة متواصلة من القتال الشرس والمواجهة المباشرة من مسافة صفر من غرفة إلى غرفة، وأسفرت هذه الخطة المحكمة عن إحكام الطوق على أواخر المسلحين والقبض على جهيمان العتيبي و23 من أتباعه أحياء في الغرفة الأخيرة التي تحصنوا فيها.
بعد مسيرة حافلة بالشرف والخدمة العسكرية الوطنية، انتقل اللواء فالح بن محمد الظاهري إلى جوار ربه فجر يوم الأربعاء 27 ربيع الأول 1448هـ الموافق 9 سبتمبر 2026 عن عمر ناهز 86 عامًا، وأُديت الصلاة على جثمانه بعد صلاة الظهر بجامع القريقري بمدينة جدة، ووُوري الثرى في المقبرة المجاورة.
رحل اللواء فالح الظاهري وترك خلفه خطة عسكرية نموذجية تُدرّس في معاهد العلوم العسكرية، وذكرًا عاطرًا لقائدٍ بذل دمه وفكره ليظل بيت الله الحرام آمنًا كما أراده الله .



