الأسر المنتجة… إبداعٌ وطني ينتظر الوعي المجتمعي

✍️ سلوى الجهني – كاتبة سعودية :
تُعدّ الأسر المنتجة أحد الأعمدة المهمة في بناء الاقتصاد الاجتماعي، ومصدرًا حقيقيًا لتمكين الأفراد وتعزيز الاستقرار الأسري، إلا أن كثيرًا منها يواجه ضعف الإقبال المجتمعي على منتجاته، رغم ما يحمله من أفكار مبتكرة وأعمال تُنفّذ بحرفية عالية وجودة واضحة. ويبرز هذا التحدي في ظل اندفاع ملحوظ نحو الماركات الخارجية، مقابل تردد في دعم المنتجات المحلية المصنوعة بأيدٍ وطنية تعمل بضمير ومسؤولية.
إن هذا الواقع يثير تساؤلات جوهرية حول مفهوم الثقة بالمنتج المحلي، وقيمة العمل اليدوي في الوعي المجتمعي، رغم أن الأسر المنتجة تقدم منتجات غذائية، وحِرفية، ومنزلية، تُصنع بعناية شخصية وحرص مباشر على الجودة والسلامة، تفوق في كثير من الأحيان ما يُقدَّم في الأسواق التجارية الكبرى.
ومن أكثر المبررات التي تواجه بها الأسر المنتجة الاعتراض على السعر، مع إغفال الجهد الحقيقي المبذول خلف كل منتج؛ فخلف تلك الطاولة أمّ غابت عن أبنائها، أو أسرة سخّرت وقتها ومالها وأدواتها، وتحملت تكاليف المواصلات وساعات العمل الطويلة، لتقدم وجبة ساخنة أو منتجًا يدويًا نظيفًا وطازجًا. ومع ذلك يُقارن هذا السعر بأسعار مطاعم ومتاجر يُدفع فيها أضعاف المبلغ دون معرفة القائم على العمل أو مستوى العناية.
وقد وجّه القرآن الكريم إلى قيمة العمل والسعي حين قال الله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾، فعمل الأسر المنتجة ليس مجرد بيع وشراء، بل كفاح مشروع وسعي كريم يستحق التقدير. كما أكد النبي ﷺ شرف الكسب بالجهد الشخصي بقوله: «ما أكل أحدٌ طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده»، وهو توجيه صريح يعزز مكانة المنتجات المصنوعة بجهد ذاتي وأمانة عالية.
وعلى الرغم من مشاركة الأسر المنتجة في البازارات والأسواق المؤقتة، إلا أن ضعف الحضور وقلة التفاعل يبقى عائقًا مؤلمًا، حيث يعود كثير منهم بخيبة أمل لا بسبب ضعف الإبداع، بل لغياب الجمهور الداعم. فمجرد الزيارة، أو الشراء، أو التصوير، أو النشر، قد يفتح باب رزق، ويرفع معنويات، ويمنح دافعًا للاستمرار. وفي هذا السياق قيل: «حين تشتري منتجًا محليًا، فأنت لا تشتري سلعة فقط، بل تشتري حلمًا، وتدعم أسرة، وتبني وطنًا»، وهي حقيقة تتجلى في الأثر العميق لكل موقف دعم، مهما بدا بسيطًا.
ولا يقتصر دعم الأسر المنتجة على الجانب الاقتصادي فحسب، بل يمتد إلى أثر نفسي واجتماعي بالغ، خاصة حين تكون المعيلة امرأة مطلقة أو أرملة، أو أسرة تسعى لتعزيز دخلها بكرامة. فالتشجيع والثقة يسهمان في ترسيخ الاستقرار الأسري، وبناء الثقة بالنفس، وتحفيز الإبداع والاستمرارية، بينما يؤدي الإحباط والتقليل من قيمة الجهد إلى قتل روح المبادرة وتأخير التطور.
إن دعم الأسر المنتجة مسؤولية مجتمعية تبدأ من الفرد وتمتد إلى المؤسسات ووسائل الإعلام، فكل إنسان يمتلك مهارة، ومن اختار العمل الحِرفي أو اليدوي قد سلك طريقًا شريفًا للكسب، سواء في الطهي، أو الأشغال اليدوية، أو المنتجات المنزلية، أو التحف، أو التسويق. إنهم لا يطلبون سوى حضور واعٍ، وثقة صادقة، ودعم يتيح لإبداعاتهم أن ترى النور.
وفي الختام، فإن دعم الأسر المنتجة ليس إحسانًا عابرًا، بل استثمار في الإنسان، وتعزيز للاقتصاد المحلي، وبناء لمجتمع متماسك يقدّر أبناءه وبناته. فلنكن شركاء في النجاح، بالشراء، والنشر، والكلمة الطيبة، فربّ دعمٍ بسيط يصنع أثرًا عظيمًا ويفتح باب أمل لا يُغلق.
للتواصل مع الكاتبة : [email protected]



