✍️ مها الشاعر .. كاتبة سعودية :
بينما يحاول العوام البحث عن بارقة أمل لبوادر سلام، يستريح على إثرها هذا الكوكب الذي أنهكه هذا اللهاث المستمر، ليلتقط أنفاسه مطلع هذا العام، إلا وأن لأصحاب المصالح الإقتصادية والسياسية رأي آخر في ذلك .
في حين نرى دول تختتم عامها المنصرم منتشية بأرقام قياسية، وإنجازات تفوق الطموح والآمال، هناك دول أخرى تسعى لزعزعة إستقرار هذه النجاحات ، وخطف بريق تلك الأضواء الساطعة، بطرق مباشرة وأخرى غير مباشرة.
من ينجح ؟ ومن ينجو ؟ ومن سيغرق في هذا السباق المحموم الذي يزداد غرابة عام تلو آخر لمن لم يقرأ التاريخ السياسي من قبل.
ولكن القارئ المستفيض فيه يعي تماماً بأن هذه الدورة المعتادة منذ عصور ، ولكن الفرق بأن في القدم كانت هناك أخلاقيات ومبادئ حمراء الخطوط لا يمكن تجاوزها مهما استبد الأمر، بعكس ما نرى الآن .
…“الصراع والتنافس من أجل المزيد من القوة يمثل جوهر العلاقات بين الدول إلا أن الآليات التي يدار من خلالها هذا الصراع متغيرة مع الزمان والمكان”.. وهذه الآليات قد تطورت من الصراع الإيديولوجي والسباق نحو التسلح والردع النووي في فترة الحرب الباردة إلى آليات أخرى بعد انتهاء هذه الحرب معتمدة على جوانب اقتصادية وثقافية وتكنولوجية بحتة على مستوى الهيئات والمنظمات الدولية والشركات متعددة الجنسيات، وبذرائع مختلفة مثل حقوق الإنسان والحرب على الإرهاب خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 التي شنت بإسمها الولايات المتحدة الأمريكية الحرب على أفغانستان والعراق وقبلها حرب الخليج الثانية…إلخ. ” أبحاث المركز الديمقراطي العربي.
في السابق كان يعتقد بأن شح الموارد ومرارة العيش، هي أحد أهم أسباب قيام هذه الحروب الدامية وإستمرار تلك النزاعات الضامية، المتعطشة لمزيد من الخراب والدمار ، الذي لا تكاد تنجو من عبثها بقعة على هذا الكوكب، حيث كانت الوسيلة الوحيدة للبقاء على قيد الحياة .
ولكن الحقيقة تشير إلى أن الإنسان دائماً في حالة عبث وطمع فيما حوله مهما بلغ من الرخاء والرفاهية، لا يزال يبحث عن .. هل من مزيد ؟
أصبح وجود الدول الإنفصالية والشقاق في بعض الدول الضعيفة اقتصادياً واجتماعياً وكان الله بعونها ، مثار مطامع وبحث عن النصيب أو الحصة الأكبر من قسمة قالب الكيك المتنازع عليه ، و كعادتها على مر التاريخ .. مصائب قوم عند قوم فوائد .
والأكثر سوءاً في ما يحدث هو بأن معظم تلك الدول أصبحت تقف على أرض تكاد تكون متساوية من القرار والإستقرار، والمواد الفائضة والتقدم والإزدهار، ولم تعد تقبل دولة لا هنا ولا هناك تسلُّم دولة أخرى زمام القيادة لمنطقة أو لإقليم وغيره من الجماعات ، لم تعد تقبل حتى الوصاية.
الجميع أصبح سيد أرضه، وقائد نفسه ودولته، والجميع أيضاً أصبح نفسي نفسي، وحيثما يرى مصالحه أو مطامعه الأغلب .. يذهب.
ولم تعد للإتفاقيات ولا للقوانين ولا حتى المواثيق الدولية أو الأخلاقية أي قيمة تذكر، إلا لمن لازالت لديه مخافة إلهية وبعض الوازع الديني ، وبعض من مروءة، وحسبة تختلف عن حسبة الأرقام والأصفار، والخام والإعمار، وهم قلة جداً.
وفي الوقت الذي نشاهد فيه من لا يرى عائقاً دينياً ولا أخلاقياً ولا مواثيقياً في سبيل تحقيق مصالحه السياسية والجيوسياسية، لا يمكن أن نغفل عن أنه لا يزال هناك من يخشى أن يفزع طائراً في جحره برصاصة طائشة، رغم كل ما يملك من قوة وعتاد، ولكنه يدخرها للشدائد التي تفرض نفسها، وليس هناك سبيلاً لمواجهتها سوى هذا الحل .. بطلاً لا مجبراً.
متأسياً بذلك بسنة رسوله المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه؛
” بل إن النبي صلى الله عليه وسلم كان من هَدْيه عند وداعه للجيوش الإسلامية أن يُوصيَهم بعدم قتل كبار السِّنِّ والنساء والأطفال أو ترويعهم، وعدم قلع الأشجار، أو هدم البيوت السكنية، وكذلك بيوت العبادة، وكل ما يؤدي إلى ترويع السكان” ..
في لحظة تفكير .. ترآئ لي بأن ما يحدث هو أشبه بما يفعله بعض الأشخاص العمليين نهاية كل عام ما يعرف بـ Stok-taking ، ولكن ما نراه هنا على صعيد أكبر ، الأمر على صعيد دولي لا أفراد ليس إلا ، لذا نرى له بالغ هذا الأثر .. قد يكون .
نسأله السلامة في أوطاننا وأهلينا .. وكل ما من الله به علينا .
زائداً أم مزيداً ..
منذ الأزل والعالم يكرر المقولة الشهيرة للكاتب والأديب مصطفى صادق الرافعي ( فإن لم تزد شيئاً على الدنيا، كنت أنت زائداً عليها)..
هل الإنجاز مطلب سنوي ؟ وهل هناك صورة نمطية يمكننا أن نحصر فيها ما يعرف بالإنجاز، ونتجاهل كل ما يخرج عن حدود إطار هذه الصورة، مهما أعتقد صاحبه بأنه ذا قيمة عظيمة ولو على صعيده الشخصي ؟!..
أم أن هناك نجاحات خفية لا تُرى، هي أهم بكثير من إدراجها تحت مسمى “إنجاز” ؟!
بالرغم من أنها لا تملك مقومات الإنجاز المتعارف عليها، ولكنها لا تقل مرتبةً عن أن توضع في خانة النجاح أو التقدم، أو حتى على سبيل الإنجازات الخفية بالتأثير، العظيمة بالأثر .
تجاوز عثرة، ردم خيبة، دفن رفات حلم بائس، صمت مطبق لصدمة عارمة، يقظة من سبات عميق على صعيد الروح والفكر والجسد ..
هناك من لم يصفق له على مسرح، ومن لم يحضر في لقاء تلفازي أو صحافي مثلاً ليكرم علانية على إنجازه ، هناك من لم ينل رتبة أعلى في تصنيفه المجتمعي، أو ترقية سنوية في سلمه الوظيفي، أو حتى صفحة من أثر، تكتب لاسمه الخلود بعد الرحيل .
ولكنه لازال يحقق الكثير من النجاحات الصامتة، والتي تخلق له الفرق الكبير ما بين من هو بالأمس ومن هو اليوم. بناء أسرة، إنجاب طفل، الإحسان إليه في تربيته وتقويم نشأه.. مثلاً .
الأمومة من أعظم الإنجازات البشرية التي تكاد أن تصبح في المؤخرة، وسط هذا الضجيج على منصات التواصل الإجتماعي، ومسارح التكريم الأكاديمية والنموذجية، وقس على ذلك غيرها الكثير من الإنجازات الفردية المجتمعية، والتي بدأ يتراجع ترتيبها القيمي وسط هذه الإنجازات الرقمية التي أصبحت هي الأهم، والأكثر تفوقاً بنظر البعض.
وأقول هنا؛ لا تسمح لأحد بأن يقيم نجاحاتك وإنجازاتك سواك، فأنت الوحيد الذي يعي حجم الجهد الذي بذلته في سبيل تحقيق هذا الإنجاز العظيم ، مهما بدى في أعين الآخرين بسيطاً ولا يكاد يذكر.
لذا .. ما بين ختام عام آفل، ومطلع عام مقبل ، لا تطيل النظر كثيراً فيمن حولك، وتميتك الحسرة، وتعصرك الندامة، على فوات بعض الفرص والبقاء ساكناً حيث أنت.
واختر أن تكون أكثر حنواً على ذاتك..
صفق لها .. واحفل بها .. وضع قبلة على جبين حلمك، وإن لم يبزغ نوره للضوء بعد.
فلكل فرد موسم ربيع مختلف في توقيته عن الآخر.
“اتخذ من الفشل سلما للنجاح ومن الهزيمة طريقا الى النصر ومن المرض فرصة للعبادة ومن الفقر وسيلة الى الكفاح ومن الالام بابا الى الخلود ومن الظلم حافزا للتحرر ومن القيد باعثا على الانطلاق.”
مصطفى السباعي
للتواصل [email protected]



