الفرق بين الصبر السلبي والصبر الإيجابي

✍️ محمد بن العبد مسن – كاتب عماني :
الصبر ليس حالة واحدة، بل عالم واسع تتفاوت فيه درجات الوعي وقوة الإرادة. وقد تحدّث الدكتور مصطفى محمود في أحد برامجه عن هذا الفارق العميق بين من يصبر وهو واقف في مكانه، ومن يصبر وهو يتقدّم إلى الأمام رغم الألم والعوائق.
الصبر السلبي هو حالة خمول داخلي، يختبئ فيها الإنسان خلف كلمة “أنا صابر” وهو في الحقيقة مستسلم للظروف، لا يحاول تغيير واقع، ولا يسعى لإصلاح خطأ. هو صبر يشبه الانتظار على رصيف محطة لا تصل إليها أي قطارات. صاحبه يكتفي بالتأفف، ويُسَلِّم زمام حياته للصدف، ويظن أنه ما دام لا يعترض فهو يحسن الصنيع. لكن هذا النوع من الصبر لا يصنع إنسانًا قويًّا، ولا يبني طريقًا، ولا يغيّر مصيرًا. إنه صبر يقتل الطموح ويجعل صاحبه ضحية للأيام.
أما الصبر الإيجابي فهو فعل، حركة، ووعي. هو أن تتحمّل التعب لكنك لا تتوقف. أن يوجعك الطريق لكنك تواصل السير بثقة. هو أن تعرف أن البلاء مدرسة، وأن الألم ليس دعوة للتراجع بل دفعة نحو النمو. الصبر الإيجابي هو أن تسعى، تُخطّط، وتُحسّن، وتنهض كلما سقطت. هو الصبر الذي يربّي النفس ويشحذ الإرادة ويُظهر معدن الإنسان الحقيقي. وهذا ما أشار إليه مصطفى محمود حين قال إن الصبر الحقيقي ليس في تجميد الواقع، بل في التقدّم عليه.
الصبر الإيجابي يولّد الحكمة، ويمنحك القدرة على رؤية النور ولو من نافذة صغيرة. يجعلك تقف بثبات أمام العثرات لأنك مؤمن بأن لكلّ مشقّة ثمرة، ولكلّ ليل فجرًا ينتظر اللحظة ليعلن حضوره. وهو صبر يصنع الإنجازات لأن صاحبه يفهم أن الله يحبّ المجتهدين، ويبارك خطواتهم مهما طال الطريق.
إن الفرق بين النوعين يشبه الفرق بين من يترك النهر يجرّه، وبين من يسبح ضد التيار ليصل. الأوّل يكتفي بالشكوى، والثاني يصنع حياة. الأوّل يذوب في لحظات ضعفه، والثاني تنمو روحه مع كل محاولة.
وهكذا… يبقى الصبر الإيجابي هو الطريق الذي يُبقي الإنسان مرفوع الرأس، ثابت القلب، واثق الخطى، قويًّا مهما تغيّرت الظروف. إنه صبر يصنع رجلاً يعرف قدره، ويكتب حكايته بيده، ويؤمن أن الله لا يخيّب من سار إليه بصدق وسعى في دربه بشجاعة.



