من العصبية القبلية إلى العصبية الإستهلاكية

✍️ ريم منصور سلطان – كاتبة رأي :
في الجاهلية، لم يكن الإنسان يُعرَف بإسمه وحده، فقد كان يقف خلف إسم قبيلته ونسبه، وكان السؤال عن الأصل يسبق السؤال عن الإنسان، وكانت القبيلة تمنح الفرد تعريفه الإجتماعي، لتحميه، وترفع شأنه أو تخفضه في أعين الآخرين.
في القدم كان الرجل يقول: أنا من القبيلة الفلانية، ومن البطن الفلاني، ومن بيتٍ له تاريخه ومكانته، وكأن الإنسان لم يكن يكتفي بأن يكون هو ذاته ، لكنه كان يحتاج إلى جماعةٍ أكبر يستمد منها قيمته ومكانته.
ومن هنا نشأت العصبية القبلية، ذلك الشعور الذي يجعل الإنتماء للقبيلة معيارًا للتفاضل، ويحوّل النسب من مجرد إمتداد عائلي إلى رأسمال إجتماعي يتفاخر به صاحبه أمام الآخرين.
ولم يكن التفاخر بالنسب مجرد كلمات تُقال في المجالس، إنما كانت ولا زالت حاضرة في الخطابة والمنافسات الشعرية، حتى أصبح ذكر الآباء والأجداد وسيلة لإثبات التفوق.
ثم تغيّر الزمن، وتغيرت معه أشكال الحياة والعلاقات الإجتماعية، لكن يبدو أن الإنسان لم يتخل عن رغبته القديمة في إثبات مكانته، فقد تغيرت الأدوات، وإتسعت القائمة، فإذا كان الإنسان قديمًا يتفاخر بقبيلته ونسبه، فإن الإنسان المعاصر أصبح يتفاخر بما يملك: من منزل، و سياره، أو العلامة التجارية التي يحملها.
وكأن الإنسان إنتقل من السؤال: من أي قبيلة أنت؟ إلى سؤالٍ آخر أكثر حداثة: ماذا تملك؟ و أي منصب تحل ، لاتعرف عليك وأرفع من شأنك، وهنا تكمن المفارقة، في الماضي، كان النسب يمنح صاحبه مكانة إجتماعية حتى قبل أن يعرف الناس شيئًا عن شخصيته، واليوم قد تقوم الممتلكات بالدور نفسه، قد تدخل مكانًا فيقرأ البعض قيمتك من السيارة التي وصلت بها، أو الساعة التي ترتديها، أو المكان الذي تسكن فيه إلى أن أصبح الناس ينزحون إلى أحياء أخرى لمجرد البحث عن المكانه.
لقد أصبحت الأشياء لغة إجتماعية، لغة لا تحتاج إلى كلمات لتقول: أنا ناجح، أنا من طبقة معينة، أنا أستطيع أن أمتلك ما لا يستطيع غيري إمتلاكه، وهنا لا تعود الماركة مجرد منتج، ولا السيارة مجرد وسيلة نقل، ولا المنزل مجرد مكان للسكن، لقد تحول إلى رموزٍ تحمل رسائل عن صاحبها، لكن هل يعني ذلك أننا تخلصنا من التفاخر القبلي؟ ليس بالضرورة، ففي بعض المجتمعات لا يزال النسب والقبيلة حاضرين في تشكيل الصورة الإجتماعية للإنسان، بينما ظهرت إلى جوارهما طبقة جديدة من التفاخر تقوم على المال والممتلكات والمظهر الإستهلاكي.
أصبح الإنسان يستطيع أن يتفاخر بمن ينتمي إليه، وبما يملكه في الوقت نفسه، وقد يقول: أنا من عائلة معروفة، أنا من قبيلة لها تاريخها،أنا أملك المنزل الفلاني، وأقود السيارة الفلانية،وأرتدي العلامة الفلانية، وكأن الإنسان الحديث جمع بين ميراث الماضي وبريق الحاضر، فأصبح يمتلك أكثر من وسيلة ليقول للآخرين: أنا ذو مكانة أنا مميز عن الأخرين .
وهنا يصبح السؤال أكثر عمقًا: هل تغيّرت ثقافة التفاخر، أم أننا فقط أضفنا إلى قائمة ما نتفاخر به؟
المشكلة ليست في القبيلة، كما أنها ليست في إمتلاك الأشياء، فالاعتزاز بالقبيلة لم يكن في أصله إعتزازًا بالإسم وحده، لكنه إيضأ إحتفاءً بجذورٍ صنعت التاريخ، وعائلةٍ منحت الإنسان إحساسه الأول بالهوية والانتماء،و كما أن إمتلاك الأشياء الجميلة أو الفاخرة ليس خطأً في ذاته.
المشكلة تبدأ عندما يتحول الإنتماء إلى وسيلة لإحتقارالأخرين ،وعندما يصبح الإنسان أفضل في نظر نفسه لأنه وُلد في عائلة معينة، أو لأنه يحمل إسمًا معينًا، أو لأنه يملك سيارة أغلى من غيره، فنحن أمام الفكرة نفسها وإن إختلفت الأدوات:
أنا أفضل لأنني أملك شيئًا لا تملكه أنت، وهذا هو جوهر التفاخر، ولعل الفرق بين الماضي والحاضر أن التفاخر القديم كان في الغالب يحتاج إلى حروب حقيقية تثبت السيطرة والقوة، أما اليوم، فقد أصبح بإمكان الإنسان أن يحمل حياته كلها إلى شاشة صغيرة فتتحول ممتلكاته إلى معرض مفتوح للمقارنة.
وهكذا لم تعد المنافسة بين قبائل فقط، لكنه أصبح بين أفراد، وطبقات، وأنماط حياة، والمشكلة أن هذه المقارنة لا تنتهي،فمهما إمتلكت، هناك من يمتلك أكثر، ومهما إرتديت من علامة، هناك من يرتدي علامة أغلى، ومهما وصلت إلى مستوى معين من الرفاه، ستجد دائمًا من يبدو أكثر رفاهًا منك، فيصبح الإنسان أسير سباقٍ لا خط نهاية له.
وربما لهذا تبدو المقارنة بين التفاخر بالقبيلة والتفاخر بالممتلكات أكثر عمقًا مما تبدو عليه في البداية، ففي الحالتين قد يبحث الإنسان عن قيمته في شيءٍ خارج ذاته، الأول يقول:أنا مهم لأنني أنتمي إلى هذه القبيلة، والثاني يقول:أنا مهم لأنني أملك هذه الأشياء، لكن كلاهما قد ينسى السؤال الأهم:ماذا صنعتَ أنت بنفسك؟ماذا قدمت؟ماذا تعلمت؟ما الأثر الذي تركته في حياة الآخرين؟أي إنسان أصبحت حين أزيل عنك إسم العائلة، واسم القبيلة، وشعار الماركة، وحساب البنك، وكل الأشياء التي يمكن أن تختبئ خلفها؟
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان أن يخلط بين ما يملكه وما يكونه، فالإنسان ليس قبيلته فقط، ولا ثروته، ولا العلامة التي يرتديها، هذه كلها أشياء تحيط به، لكنها لا تختصره، قد يرث الإنسان اسمًا عظيمًا دون أن يكون عظيمًا، وقد يمتلك ثروة ضخمة دون أن يكون كريمًا، وقد يرتدي أغلى الملابس دون أن يكون أكثر أناقةً في أخلاقه، وقد ينتمي إلى عائلة عريقة، لكنه لا يضيف شيئًا إلى عراقتها، وفي المقابل، قد يأتي إنسان من بيتٍ بسيط، ولا يملك الكثير، لكنه يصنع من علمه وأخلاقه وأثره قيمةً تفوق كل ما يمكن أن يُشترى.
ربما نحن بحاجة اليوم إلى أن نعيد تعريف المكانة الإجتماعية أن ننتقل من سؤال:من أنت في عيون الناس؟إلى سؤال:من أنت حين لا ينظر إليك أحد؟ فالقيمة الحقيقية لا تحتاج إلى شعار على حقيبة، ولا إلى اسم قبيلة، ولا إلى سيارة فاخرة كي تثبت وجودها.القيمة التي تأتي من الداخل لا تحتاج إلى إعلان.
وفي النهاية، قد تتغير الأشياء التي نتفاخر بها عبر الزمن، مرةً يكون النسب، ومرةً تكون الثروة، ومرةً تكون الماركة، لكن يبقى السؤال الإنساني القديم نفسه:
لماذا نحتاج أصلًا إلى أن نثبت للآخرين أننا أفضل منهم؟
ربما لأن الإنسان الذي لم يكتشف قيمته من داخله، سيظل يبحث عنها في الخارج، مرةً في إسم أبيه، ومرةً في إسم قبيلته، ومرةً في حسابه البنكي، ومرةً في الشعار المطبوع على ملابسه، وحين يصل الإنسان إلى مرحلة لا يحتاج فيها إلى شيءٍ من ذلك ليشعر بقيمته، يكون قد تحرر من أكبر أشكال التفاخر:
أن يعرف أن قيمته ليست فيما ورثه، ولا فيما إ شتراه، ولكن فيما صنعه من أثر.
للتواصل : [email protected]



