كتاب الرأي

‏(العقل الواعي في زمن المحتوى الرقمي)

           ✍️بدرية المعجل – كاتبة رأي:

‏كرّم الله الإنسان بالعقل، وجعله أداةً للتفكّر والتدبّر والإدراك والتمييز، وبه يستطيع أن يزن ما يسمع ويرى، وأن يفرّق بين الحقيقة والزيف، وبين النافع والضار. وهذه النعمة العظيمة تضع على عاتق الإنسان مسؤولية ألا يكون متلقيًا لكل ما يُعرض عليه دون وعي أو تمحيص.

‏لقد تغيّر المشهد الإعلامي كثيرًا؛ ففي الماضي كانت المعلومة تمر عبر قنوات محدودة، أما اليوم فقد أصبح الوصول إلى الجمهور أسرع وأسهل من أي وقت مضى، وبات بإمكان أي شخص أن ينشئ محتوى ويخاطب آلاف المتابعين في لحظات. ومع هذه السهولة تتضاعف مسؤولية المتلقي في الاختيار والتحقق.

‏فالمحتوى الرقمي سلاح ذو حدّين؛ قد يكون نافذةً للعلم والمعرفة، ومنبرًا لنشر القيم والأفكار الإيجابية، ووسيلةً لتبادل الخبرات ونقل التجارب النافعة، وفتح آفاق جديدة أمام الإنسان للتعلّم والتطوير.

‏وفي المقابل، قد يتحول إلى مساحة لبث الشائعات والمعلومات المضللة، وإثارة الفتن والخلافات، والتعدي على خصوصيات الآخرين، وتوجيه الاتهامات الباطلة إليهم، بل قد يصل أثر بعض المحتويات غير المسؤولة إلى زعزعة العلاقات الاجتماعية، وإفساد الروابط الأسرية، والإضرار بأمن المجتمع وتماسكه.

‏ومن هنا تبرز أهمية التفكير الناقد والوعي الرقمي؛ فلا ينبغي أن نقيس قيمة المحتوى بعدد المشاهدات أو المتابعين، ولا أن نمنح الثقة لكل من امتلك منصة أو استطاع التأثير في الجمهور. فالحضور الرقمي الواسع لا يعني بالضرورة امتلاك العلم أو الخبرة أو المصداقية.

‏وعندما يتعلق المحتوى بالمجالات التخصصية، فمن المهم الرجوع إلى أهل العلم والاختصاص والكفاءة، ممن يمتلكون التأهيل والخبرة، ويقدّمون المعرفة بمسؤولية ومصداقية ومنهجية علمية؛ فالكلمة في الفضاء الرقمي مسؤولية، وقد تبني وعيًا، وقد تهدم فكرة، وقد تصلح علاقة، وقد تتسبب في إفسادها.

‏إن حماية عقولنا في هذا الفضاء المفتوح تبدأ من سؤال بسيط نطرحه أمام كل محتوى: من المتحدث؟ وما مصدر المعلومة؟ وما الهدف منها؟ وهل تستند إلى علم وحقيقة أم إلى رأي وتضليل وإثارة؟

‏فالوعي اليوم لم يعد ترفًا، بل ضرورة؛ لأننا نعيش في زمن تتدفق فيه المعلومات بلا توقف، وتتنافس فيه الأصوات على عقولنا واهتمامنا.

‏فلنمنح عقولنا حقها في التفكير قبل التصديق، والتدبّر قبل التفاعل، والتحقق قبل النشر؛ فالعقل الواعي هو خط الدفاع الأول أمام التضليل، والوعي مسؤولية فردية ومجتمعية .🍃


للتواصل :badriya-10–[email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى