ما لا تقيسه مؤشرات التعليم

✍️ عبدالخالق الزهراني – كاتب رأي :
يُحكى أن أباً سأل ابنه بعد عودته من المدرسة
كيف كان يومك؟
بدأ الطفل يتحدث بحماس عن معلمه، وعن كلمة جميلة قالها له أمام زملائه، وعن موقف صغير حدث في الفسحة، ثم ختم حديثه قائلاً
(أحب مدرستي).
ابتسم الأب. لم يسأله عن عدد الأجهزة في فصله، ولا عن ترتيب مدرسته، ولا عن البرامج التي شارك فيها. كان يكفيه أن يرى ابنه يعود سعيداً وآمناً، ليشعر أن شيئاً كبيراً قد نجح.
وربما هنا تكمن إحدى الحقائق التي ننساها حين نتحدث عن التعليم.
فنحن اليوم أمام تعليم يتطور، وتقنيات تتقدم، وبرامج تتجدد، ومؤشرات تقيس الأداء، ومنجزات تستحق أن نفخر بها. لكن وسط هذا كله، هناك أشياء لا تظهر بسهولة في الأرقام.
لا يوجد مؤشر يخبرنا كم طفلاً شعر اليوم أن معلمه انتبه إليه، ولا رسم بياني يقيس طمأنينة أم تعرف أن ابنها في مكان يحفظه، ولا تقرير يستطيع أن يصف شعور أب حين يطمئن أن المدرسة ترى خلف الاسم في كشف الحضور إنساناً أودع لديها جزءاً من قلبه.
وهنا لا أتحدث عن العاطفة في مقابل النظام، وإنما عن معنى أعمق
عن الإنسان الذي وُجد النظام من أجله.
فالانتباه للإنسان يبدأ من مشاعره واحتياجاته، ويمتد إلى حفظه وسلامته. والأمان النفسي الذي يجعل الطفل يحب مدرسته، والأمان الجسدي الذي يحفظه منذ دخوله إليها حتى عودته إلى أسرته، ليسا مسؤوليتين منفصلتين، فكلاهما يبدأ من المعنى ذاته
أن هناك من ينتبه.
فالطفل لا يعرف شيئاً عن اللوائح والإجراءات التي تحيط بيومه الدراسي، ولا ينبغي له أن يعرف. هو يدخل المدرسة مطمئناً لأن الكبار من حوله يعرفون ماذا يفعلون. وهنا تصبح التفاصيل التي قد تبدو إدارية في نظرنا جزءاً من أمانه، فإجراء صغير يُتجاوز قد لا يبقى صغيراً حين يكون الإنسان هو الطرف الآخر منه.
ولهذا فإن أجمل نظام قد يفقد شيئاً من قيمته أمام تفصيل لم ينتبه إليه أحد، إجراء لم يكتمل، أو سؤال كان ينبغي أن يُطرح في وقته.
بعض الأخطاء يمكن إصلاحها في اليوم التالي، درجة تُراجع، وورقة تُستبدل، وموعد يُعاد ترتيبه. لكن حين يتعلق الخطأ بإنسان، فإن مساحة الخطأ يجب أن تضيق قدر المستطاع، لأن هناك أخطاء لا نريد أن نتعلم أهميتها من نتائجها.
وهذا لا ينتقص من منجزات التعليم، وإنما يحمي معناها. فنحن حين نفتخر بتقدم مدارسنا في التقنية، نريد أن يوازيه تقدم في المسؤولية.
وحين نتحدث عن جودة التعليم، فلا ينبغي أن نحصرها فيما يتعلمه الطالب، فهي تمتد إلى الطريقة التي يُعامل بها، ويُحفظ بها، ويشعر من خلالها أن أحداً يراه.
فالمدرسة ليست مبنى يذهب إليه أبناؤنا كل صباح ثم يعودون منه، إنها مساحة من الثقة. يضع الأب والأم أبناءهما عند أبوابها، ثم يمضيان إلى يومهما وفي داخلهما اتفاق غير مكتوب
أن أبناءنا هنا في أيدٍ أمينة.
ولهذا، ونحن نتغنى بما حققه تعليمنا من تقدم ومنجزات، علينا ألا تجعلنا الصورة الكبيرة نغفل عن التفاصيل الصغيرة. فأحياناً يكون نجاح مؤسسة كاملة مختبئاً في تصرف موظف أدرك مسؤوليته في اللحظة الصحيحة، وأحياناً تبدأ مشكلة كبيرة من تفصيل ظنه أحدهم صغيراً.
التعليم الذي نريده لأبنائنا يتجاوز صناعة طالب ناجح، إلى بناء بيئة تستحق الثقة التي نضعها فيها كل صباح.
فليست كل منجزات التعليم أرقاماً تُعلن، ولا كل إخفاقاته أرقاماً تظهر.
بعضها يعود إلى المنزل كل يوم
على هيئة طفل.
للتواصل : [email protected]



