كتاب الرأي

حين يصبح الوالدان عبئًا… أين ذهب الوفاء؟

الجزء الثاني :

           ✍️ ناهد شما – كاتبة رأي :

الآباء والأمهات أفنوا أعمارهم في تربية أبنائهم، حملوا عنهم التعب، وسهروا على راحتهم، وفرحوا لكل خطوة خطوها في الحياة… ثم يأتي يوم يصبح فيه أحد الوالدين وحيدًا، ضعيفًا، وربما مصابًا بالزهايمر، لا يعرف أسماء أبنائه ولا يتذكر وجوههم، فيُوضع في دار للرعاية، ثم تبدأ الزيارات بالتقلّص، ثم تنقطع، وكأن الحكاية انتهت!
أيها الأبناء والبنات… هل لأن أمكم لم تعد تعرفكم أصبحتم غرباء عنها؟ وهل لأن أباكم لم يعد يتذكر أسماءكم أصبح وجودكم بلا معنى؟
الأم التي كانت تعرف صوت بكائكم وأنتم أطفال، وتعرف من نظرة واحدة أنكم متعبون، قد يأتي عليها يوم لا تعرف فيه من أنتم… لكنها تبقى أمكم، ويبقى حقها في قلوبكم لا يسقط بفقدان الذاكرة.
والأب الذي حملكم على كتفيه، وسعى وتعب من أجلكم، قد يأتي عليه يوم يحتاج فيه إلى من يأخذ بيده، ويجلس بجانبه، ويبتسم له حتى لو لم يعرفه.
لا أقول إن وضع الوالد في دار رعاية هو بحد ذاته عقوق؛ فقد تكون هناك ظروف صحية أو أسرية تجعل الرعاية المتخصصة ضرورة. العقوق الحقيقي أن تضع والديك في مكان آمن ثم تضعهما خارج قلبك أيضًا.
ليس المطلوب أن تتركوا أعمالكم وأطفالكم وحياتكم، فلكل إنسان مسؤولياته. لكن هل يعجز الإنسان عن ساعة يزور فيها أمه؟ دقائق يجلس فيها بجوار أبيه؟ مكالمة يسمع فيها صوته؟ لمسة يد، قبلة على الرأس، دعاء، ابتسامة… أشياء صغيرة جدًا في أعيننا، لكنها قد تكون عند إنسان وحيد أغلى من الدنيا كلها.
وتذكروا شيئًا واحدًا: الأيام تدور.
اليوم أنتم أقوياء وهم ضعفاء، وغدًا قد تحتاجون أنتم إلى من يحنو عليكم. واليوم هم لا يستطيعون أن يقولوا لكم: “لا تنسونا”، لكن الله يسمع صمتهم ويرى وحدتهم ويعلم من زار ومن غاب، ومن وفى ومن نسي.
فلا تنتظروا أن تعرف أمكم أنك ابنتها حتى تذهبي إليها، ولا تنتظروا أن يتذكر أبوكم اسمك حتى تجلسي بجواره.
اذهبوا إليهم لأنهم والداكم، لا لأن ذاكرتهم ما زالت تحفظكم.
رحم الله من رحلوا، وأطال الله أعمار من بقي منهم، وأعان كل ابن وابنة على برّ والديهما.
فالأم والأب لا يحتاجان منا الكثير… يحتاجان فقط ألا نشعرهما، في آخر العمر، أن الأبناء الذين تعبوا من أجلهم قد أصبحوا غرباء.

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى