كتاب الرأي

الطيبة الزائدة تؤدي إلى الاستغلال

 

✍️ مسفر محمد الاكلبي – كاتب سعودي :

تعاملت مع صديق لي لمدة عشرين عام بطيبة زائده خاليه من الشك و الظن و بثقه عمياء و ابدار احسان النية و في الاخير ندمت ندم عمري حيث سلبني مبالغ مالية طائلة جعلتني اندم على كل ثانية تعاملت معه بطيبة و ثقة عمياء و لذلك احذر من التعامل بطيبة زائده مع القريب قبل الغريب .

الطيبة، في أصلها، نور يسكن القلب قبل أن ينعكس على السلوك. هي تلك اللمسة الإنسانية التي تجعل من العالم مكانًا أقل قسوة، ومن البشر كائنات أكثر رحمة. لكنها — ككلّ فضيلة — إن تجاوزت حدّها انقلبت إلى ضدّها، وتحولت من جسر للمحبة إلى فخٍّ للخذلان.

الإنسان الطيب يرى الخير في الجميع، ويغفر قبل أن يُطالَب بالغفران، ويعطي قبل أن يُسأل العطاء. يظن أن القلوب كلها تشبه قلبه، وأن النقاء متبادل كأنما هو قانون كونيّ لا يُخرق. لكنه حين يفتح قلبه على مصراعيه، يكتشف أن البعض لا يرى في طيبته سوى فرصة للنهب، لا للامتنان؛ وأن العالم لا يردّ الجميل دائمًا بالجميل، بل أحيانًا بالاستغلال.

إن الطيبة الزائدة لا تُرهق صاحبها لأنها خُلُق سيئ، بل لأنها تُمارَس في عالمٍ لا يُقدّرها حقّ قدرها. الطيب الزائد يعيش بين مطرقة الواجب وسندان الضمير، يخاف أن يجرح أحدًا، فيجرح نفسه ألف مرة، يهرب من القسوة فيقع في شَرَك من يستغل لينَه وضعف حدوده.

وليس المقصود أن نطفئ ذلك الضوء فينا، بل أن نحميه من الرياح التي تريد أن تطفئه. فالطيبة ليست ضعفًا، ولكنها تحتاج إلى وعيٍ يحرسها، وإلى عقلٍ يوازن بين الرحمة والعدالة. أن تكون طيبًا لا يعني أن تترك الباب مفتوحًا لكل من أراد الدخول، بل أن تختار من يستحق الدخول إلى عالمك.

الطيبة في جوهرها ليست أن تُرضي الجميع، بل أن تبقى صادقًا مع نفسك دون أن تُفرّط بكرامتك. فكم من طيبٍ ظنّ أنه يكسب القلوب، فإذا به يخسر نفسه. وكم من متسامحٍ حسب أنه ينشر السلام، فإذا به يزرع في الآخرين جرأة على إيذائه.

إن أجمل أشكال الطيبة هي تلك التي تقترن بالحكمة؛ حين يكون القلب دافئًا والعقل يقظًا، حين نعرف أن نعطي دون أن نُستنزف، وأن نُسامح دون أن نُهان. فالحياة لا تطلب منا أن نكون طيبين إلى حد السذاجة، بل أن نكون بشرًا ناضجين، نعرف متى نبتسم، ومتى نغلق الباب بهدوء ونرحل.

 

للتواصل مع الكاتب [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى