نُقصان درجة ف الإمتحان أَشد من موت الأب!!
✍️ روان طلاقي _ كاتبة سعوديه :
في زمنٍ تتسارع فيه الأخبار عبر منصات التواصل الاجتماعي، تضيع أحيانًا المعاني العميقة بين زحام الأمور التافهة . وأكثر ما يُثير الدهشة أن نسمع كلماتٍ تُقال بشكل عشوائي، لكنها تحمل في طياتها ثِقَل الفراغ الداخلي الذي يعيشه بعض الناس. كلمات كأنها طعنة في وجدان الإنسانية: نقصان درجة في الامتحان أشدّ من موت الأب!!!
عبارة كهذه ليست مجرد خطأ في التعبير، بل صرخة تكشف نقصاً عاطفيًا مؤلمًا، وخللًا في ميزان الفكر والإحساس.
كيف يمكن لإنسانٍ أن يُقارن بين رقمٍ في ورقة وبين وجع الفقد؟ بين خسارةٍ يمكن تعويضها وأخرى تُحدث شرخًا في الروح لا يُرمم مهما مرّ الزمن !؟
الفقد ليس حدثًا عابرًا، بل تجربة تهزّ الكيان من جذوره. من جرّب رحيل أبٍ أو أم، أو صديقٍ ، يدرك أن الموت لا يترك فراغًا ماديًا فحسب، بل فراغًا في المعنى ذاته. إنك بعد الفقد لا تعود كما كنت؛ تتغير نظرتك للأشياء، وتغدو التفاصيل الصغيرة محمّلة بذكرياتٍ تؤثر على القلب كلما مرّت في الذاكرة.
ومع ذلك، يبدو أننا في زمنٍ بات فيه الوجع يُقاس بالأرقام، والحزن يُختصر في منشور، والدموع تُرمز بإيموجي. تحوّلت المشاعر إلى محتوى، والفقد إلى مشهدٍ يُستهلك في دقائق.
صار النجاح معيارًا للوجود، والنتائج هي ما يمنح الإنسان قيمته، بينما القلوب المثقلة بالحزن تُطالب بالصمت حتى لا تُفسد المزاج العام.
حين يُقال إن درجة امتحانٍ أشدّ من فقد إنسانٍ كان يومًا الوطن والأمان، مثل ( الأب أو الأم ) فالمشكلة ليست في الجملة وحدها، بل في ما وصلنا إليه من بلادة شعورية. بل وهي إشارة إلى موتٍ من نوعٍ آخر: موت الإحساس.
الفقد الحقيقي لا يُروى ولا يُقاس، لأنه لا يتعلق بما نملك، بل بمن فقدنا. هو غياب يعلّمنا أن الحياة هشة، وأن الأرقام والشهادات والمظاهر لا تساوي شيئًا أمام لحظة وداعٍ لا رجعة بعدها.
فلنعتبر هذه الكلمات الصادمة جرس إنذارٍ لا مادة للسخرية.
لنستيقظ من هذا الجمود، ونتذكر أن خلف كل نجاحٍ حقيقي قلبًا ينبض، وأن من يفقد الإحساس لا يكسب شيئًا مهما حصد من علامات.
الدرجات تُنسى، والأوراق تُرمى، أما الفقد فيسكنك إلى الأبد.
نعم ليس الموت نهاية وتمضي الحياة لكن لكل إنسان مات له حبيب أو غالي، يحمل معنى أكبر وهو أنه فقد القدرة على الشعور به ! ولم يعد موجوداً كما كان!
فهل يُعقل أن تكون درجة امتحانٍ أثمن من وجعٍ علّمنا معنى الحياة؟



