كتاب الرأي

مسلسل المرسى

حكاية القبطان

             ✍️روان طلاقي _ كاتبة سعودية :

ينطلق القبطان كل صباح إلى البحر كما ينطلق التائه إلى قدره. كان البحر وطنه الأول، وملاذه الأخير، لكنه لم يكن يدرك أن العاصفة التي ستغرقه لن تأتي من الموج، بل من داخله.
تلك اليد التي أمسكت بالدفة يومًا، ارتجفت حين امتدت إلى امرأةٍ ليست له. هناك، في الميناء، بدأت خيانته خيانةٌ لم تكن جسدًا فقط، بل انحراف بوصلة الروح.
كانت زوجته، أم أولاده، الميناء الذي احتضنه في كل عاصفة. صبرَت على غيابه الطويل، وغفرت رائحته التي تحمل الملح والحنين، لكنها لم تتوقع أن تعود إليه رائحة امرأة أخرى.
أما تلك المرأة التي أغوته، فكانت مثل الموج الهادئ قبل الإعصار — جميلة، غامضة، لكنها تحمل في أعماقها تياراتٍ خفية. لم يكن يعلم أنها هي الأخرى تحمل ماضياً ثقيلاً، وأن في حياتها سر أسود، وأن الإغواء الذي وقع فيه لم يكن حبًّا، بل فخًّا متقنًا من الوهم والرغبة.
تبدأ صحته بالتراجع، يذبل كما تذبل الشراع حين تنقطع عنه الريح. تذوب هيبته شيئًا فشيئًا، بينما تبقى زوجته إلى جانبه لا بدافع الحب وحده، بل بدافع الوفاء الذي لا يموت حتى في قلبٍ مجروح. تمسك بيده، تعتني بضعفه، وتغطي خيبته بصمتٍ يشبه البحر حين يخفي ما في قاعه.
وفي الجهة الأخرى، ترتجف المرأة التي أغوته خوفًا من انكشاف ماضيها لرجلٍ كان يعرفها من قبل، فيتحول عشقها إلى رعبٍ، وإغواؤها إلى لعنة. تتساقط الأقنعة واحدًا تلو الآخر، ويظهر وجه الحقيقة القاسي:
القبطان الذي ظن نفسه سيد البحر، غرق في وحل شهوته، وحطّم بعائلته مرآته الأخيرة.
لم يغرق القبطان في البحر، بل في ذاته. الموج الذي كان يهابه صار أهون عليه من موج الضمير.
وفي آخر الرحلة، حين يحدّق في عيني زوجته، يرى انعكاسه لا كما كان بل كما أصبح: رجلاً خاسرًا حمل لعنته إلى بيته، وترك خلفه حطامًا لا يجمعه سوى الصبر والوجع.

ذلك الحطام لم يكن سفينةً فقط، بل عائلةً من زجاجٍ ، انكسرت على صخرة شهوةٍ عابرة.
وهكذا أثبتت الحكاية أن الخيانة ليست نزوة عابرة، بل عاصفة تترك خلفها بحرًا من الدماء.

عبدالله الحايطي

مؤسس ومالك صحيفة عنوان الأخبارية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى