كتاب الرأي

تصرفات صبيانية واستهزاء بالعقول: في الإعلام الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي،

        ✍️ تركي سالم الشريف – كانب سعودي :

لم تعد شهرة الأفراد مرهونة بالموهبة أو الإبداع، بل باتت في كثير من الأحيان وليدة الصدفة، أو نتيجة لمحتوى مثير للجدل. غير أنّ ما يلفت الانتباه هو لجوء بعض المشاهير إلى تصرفات صبيانية أو سلوكيات عبثية، تصل حد الاستهزاء بعقول الجمهور، مما يطرح تساؤلات حول الدوافع النفسية وراء مثل هذه الممارسات.

البحث عن الانتباه والقبول

يُفسّر علم النفس هذه التصرفات في ضوء ما يُعرف بـ”حاجة الفرد إلى الانتباه”. فالمشاهير – شأنهم شأن أي إنسان – يسعون إلى القبول الاجتماعي وتعزيز صورتهم أمام الآخرين. لكن بعضهم يفتقد الأدوات الناضجة لتحقيق ذلك، فيلجأ إلى إثارة الجدل والسلوكيات الطفولية والكذب باعتبارها أسرع وسيلة للفت الأنظار، حتى وإن كانت على حساب جديتهم أو احترامهم لذكاء الجمهور.

ظاهرة “النرجسية الرقمية”

يشير خبراء علم النفس إلى أنّ وسائل التواصل عززت ما يُعرف بـ”النرجسية الرقمية”، حيث يتضخم الشعور بالأنا مع تزايد المتابعين و الإعجابات. هذا التضخم قد يدفع بعض المشاهير إلى تصرفات استعراضية مبالغ فيها، وكأنهم في سباق دائم لإثبات تفردهم، دون اعتبار للتأثير التربوي أو الثقافي لما ينشرونه.

الإسقاط النفسي والهروب من الفراغ

كثير من التصرفات الصبيانية قد تعكس في حقيقتها فراغاً داخلياً أو صراعات نفسية غير محلولة. فالاستهزاء بالآخرين أو السخرية من المواقف قد يكون وسيلة دفاعية للهروب من الشعور بالنقص أو الضعف. ومن هنا يُفسَّر استغلال بعض المشاهير المنصات لعرض مواقف عبثية، كنوع من التعويض النفسي عن شعور خفي بعدم الأمان.

تأثير الجمهور ودائرة التعزيز

من منظور “نظرية التعزيز” في علم النفس السلوكي، فإن تفاعل الجمهور بالإعجاب والمشاركة مع هذه التصرفات، يشكّل عاملاً محفزاً لاستمرارها. فالمشهور الذي يلاحظ أنّ محتواه الصبياني يحقق له ملايين المشاهدات، يجد في ذلك تعزيزاً إيجابياً، فيكرر السلوك ولو كان بلا قيمة، لأنه يربطه بالنجاح الرقمي.

الخلاصة

إنّ استهزاء بعض المشاهير بعقول الجمهور ليس مجرد “قلة وعي” أو “مزاح عابر”، بل هو سلوك نفسي تحكمه دوافع عميقة تتراوح بين النرجسية، والبحث عن القبول، والفراغ الداخلي. ومع ذلك، يبقى للجمهور دور محوري في كسر هذه الدائرة، عبر وعيه النقدي ورفضه للتفاهة، لأن استمرار هذه الظاهرة مرتبط أولاً وأخيراً بمدى تقبّل الناس لها.

فالمشاهير ليسوا وحدهم المسؤولين عن رسائلهم، بل المجتمع أيضاً مسؤول عن من يمنحهم المنصة ويضعهم في الصدارة.

للتواصل مع الكاتب : [email protected]

عبدالله الحايطي

مؤسس ومالك صحيفة عنوان الأخبارية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى