نفاق الإعلام الغربي بين مأساة إيرينا زاروتسكا وأطفال غزة
✍️ مسفر محمد الاكلبي – كاتب سعودي :
في عالم يزعم أنه قائم على الحرية، العدالة، وحقوق الإنسان، يبرز الإعلام الغربي كأحد أكثر الأدوات تأثيرًا في صياغة الرأي العام وتوجيهه. لكن عند التدقيق في طريقة تغطيته للأحداث العالمية، يظهر تناقض صارخ يكشف ازدواجية المعايير، لا سيما عند مقارنة حادثة مقتل الشابة الأوكرانية إيرينا زاروتسكا بمآسي أطفال غزة الذين يقتلون يوميًا تحت القصف.
إيرينا زاروتسكا، لاجئة أوكرانية تبلغ من العمر 23 عامًا، لجأت إلى الولايات المتحدة هربًا من أهوال الحرب في وطنها. وفي أغسطس 2025، ركبت القطار في مدينة شارلوت بولاية نورث كارولينا، لتتعرض لهجوم مباغت من رجل أمريكي بلا مأوى، طعنها حتى الموت دون سبب أو معرفة مسبقة. خلال ساعات، تحولت قصتها إلى عنوان رئيسي في كبريات الصحف العالمية. كُتبت عنها التقارير، نُشرت صورها الشخصية، وتداول الإعلام قصتها باعتبارها رمزًا لمعاناة اللاجئين وضرورة توفير الحماية لهم. وذهب بعض المعلقين إلى أبعد من ذلك، معتبرين الحادث فشلًا سياسيًا وأمنيًا يفرض إعادة التفكير في القوانين.
في المقابل، يتعرض أطفال غزة لمجازر متكررة، حيث يسقط عشرات منهم يوميًا بفعل الغارات الإسرائيلية على منازلهم ومدارسهم ومستشفياتهم. ومع ذلك، يتعامل الإعلام الغربي مع هذه المآسي ببرود مدهش. العناوين غالبًا ما تأتي مبهمة: “سقوط ضحايا في غزة” أو “مقتل مدنيين خلال الاشتباكات”. نادرًا ما تُعرض صور الأطفال أو تُروى قصصهم الفردية، بل يتم اختزالهم في أرقام جامدة تُضاف إلى قائمة طويلة من الإحصائيات. والأسوأ من ذلك، أن كثيرًا من التغطيات تُجرد القتل من فاعله، فلا يُقال “إسرائيل قصفت” بل “وقع انفجار”، وكأن الضحايا سقطوا من فراغ.
ازدواجية المعايير في التغطية
1. الضحية الفرد مقابل الضحايا الجماعية
قُتل شخص واحد في أمريكا، فامتلأت الشاشات بصورته وتفاصيل حياته. بينما يُقتل مئات الأطفال في غزة، ولا نجد سوى أرقامًا باهتة في أسفل نشرات الأخبار.
2. تحميل المسؤولية
في قضية زاروتسكا، أُعلن اسم القاتل، نُشرت صورته، وقُدمت القضية كجريمة لا تغتفر و تم الحكم مرئيس امريكا ترامب بالاعدام مباشرة . أما في غزة، فيتم تبرئة الفاعل أو تمييعه عبر مصطلحات مضللة، بل يُبرر القتل بعبارات مثل: “إسرائيل تدافع عن نفسها”.
3. البعد الإنساني
زاروتسكا صُوِّرت كإنسانة لها أحلام وحياة ومستقبل ضاع فجأة. أطفال غزة، رغم براءتهم، يتم التعامل معهم كأضرار جانبية أو “ضحايا حرب”، من دون منحهم وجوهًا أو قصصًا.
4. رد الفعل السياسي
قضية زاروتسكا أثارت نقاشات سياسية في الولايات المتحدة حول الأمن العام وحماية اللاجئين. أما دماء أطفال غزة، فلا تُقابل سوى بتصريحات باهتة تدعو الطرفين إلى “ضبط النفس”، وكأن الضحية والجلاد سواء.
الإعلام الغربي لا يكتفي بعرض الأخبار، بل يُعيد تشكيل الوعي الجمعي بما يخدم أجنداته السياسية. ففي حين يمنح قيمة مطلقة لحياة الفرد الأوروبي أو الغربي، فإنه يسلب هذه القيمة عن حياة العربي والفلسطيني. والنتيجة أن مأساة إيرينا زاروتسكا تتحول إلى قضية إنسانية عالمية، بينما مأساة أطفال غزة تُهمَّش وتُطمر في زاوية النشرات.
هذا التناقض لا يكشف فقط عن نفاق إعلامي، بل عن منظومة فكرية عميقة ترى أن حياة البعض أثمن من حياة الآخرين. وهنا يتحول الإعلام الغربي من سلطة رابعة تدّعي الرقابة وكشف الحقائق، إلى أداة تبرير لجرائم الاحتلال وإدامة المأساة الفلسطينية.
للتواصل مع الكاتب : [email protected]



