الوعي نعمة …. أم لعنة ؟!

✍️منى جمال
ثمّة لحظات لا تُنسى. ليست تلك التي نلتقط لها صورًا، أو نحفظ تفاصيلها بدقة، بل اللحظات التي تغيّر شكل أرواحنا إلى الأبد. لحظة تشعر فيها أن شيئًا ما بداخلك قد استيقظ. لا تُميّزه في البداية، لكنه يكبُر. يتغلغل فيك، ويجعلك ترى العالم بنظرةٍ أخرى.
إنها لحظة الوعي.
ذلك الحدث الصامت، الذي لا يُعلن قدومه، لكنه يُحدث ضجيجًا داخليًا لا يهدأ.
فجأة، تشعر أن كل ما كنت تراه طبيعيًا بات غريبًا.
أن الذين تحبهم… ليسوا كما تخيّلت.
وأنك أنت نفسك… لم تكن تعرفها جيدًا.
من هنا تبدأ الرحلة.
ومن هنا تبدأ الأسئلة…
الوعي: نعمة مُربكة أم لعنة نبيلة؟
الوعي ليس لحظة عابرة، بل ولادة ثانية للإنسان.
إنه تلك الشعلة الصغيرة التي تتوهّج في غرفة النفس، فتبدّد الظلمة وتكشف تفاصيل لم نكن نراها. الوعي لا يأتي بهدوء، بل يقتحم سكينة الجهل، وينتزعنا من براءة البساطة، ليلقي بنا في مواجهة مباشرة مع أنفسنا، ومع الحياة كما هي.
كم كان الجهل رحيمًا حين كنّا نحب دون تحليل، نفرح دون سبب، ونخاف دون وعي! حين لم تكن عقولنا مرهقة بمراجعة كل شعور، ولم تكن أرواحنا مثقلة بأسئلة لا تنتهي. كنا نعيش بخفة، لا لأن العالم كان بسيطًا، بل لأننا كنّا غافلين عن تعقيده.
لكن، هل كان ذلك النعيم حقيقيًا؟
هل كانت تلك الطمأنينة راسخة؟ أم أنها مجرد غفلة؟
وهل نحن، بوعينا الآن، في وضعٍ أفضل؟ أم أننا فقدنا شيئًا جوهريًا لن نستعيده أبدًا؟
عندما يأتي الوعي، تتغيّر اللغة التي نخاطب بها أنفسنا. يبدأ كل شيء في المرور من خلال مرشّح العقل: الكلمات، المشاعر، القرارات، وحتى الصمت.
نبدأ بالتساؤل:
هل أحببنا حقًا؟
هل سامحنا، أم تظاهرنا بالنسيان؟
هل اختياراتنا كانت حرّة، أم مبرمجة؟
هل مَن حولنا يحبوننا لأجلنا، أم لأدوار نلعبها؟
كل ذلك، يجعل الحياة أثقل.
الضحك يفقد شيئًا من خفته.
الحزن يغدو أعمق.
الحب يُصبح مسؤولية.
وكل فرحٍ صغير نُمرّره من خلال غربال التحليل، فنُفقده بعضًا من عفويته.
لكن ما يجعل الوعي أكثر وجعًا، أنه يُبصرنا بزيف بعض من حولنا، وبهشاشتنا نحن. نكتشف أننا نرتدي أقنعة، وأن الآخرين يرتدون مثلها. نتألم، لا لأن الحقيقة قاسية فقط، بل لأننا اعتدنا على الكذب الجميل.
هنا، تتجلّى كلمات الله سبحانه، فتُعبّر عن هذه اللحظة بدقة معجزة:
“لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَـٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ”
(سورة ق، 22)
هذا هو الوعي: انكشاف، بصيرة، رؤية نافذة لا تترك مجالًا للوهم.
لكن، هل هذا الوعي لعنة؟
أم أنه، رغم قسوته، هدية من نوعٍ نادر؟
في الحقيقة، هو كليهما.
قد يبدو لعنة حين نبدأ بمحاسبة أنفسنا على كل شعور، ونفقد القدرة على الانخراط الساذج في الحياة.
لكنه، في عمقه، نعمة كبيرة؛ لأنه يقودنا نحو فهمٍ أصدق، وحياةٍ أقل تزييفًا.
إنه يجعلنا أكثر إنصافًا لأنفسنا، وأقل تعلقًا بما هو زائل.
يمنحنا لغة جديدة للحب، أكثر نُضجًا، أقل تعلقًا، وأشدّ صدقًا.
ولعل أجمل ما نفعله مع الوعي، هو ألّا نجعله يقودنا إلى العزلة أو المرارة.
بل نسمح له أن يكون رفيقًا ناضجًا، يُذكّرنا بلطف، أن الحياة رغم كل هشاشتها… تستحق.
أن نُحب رغم إدراكنا لهشاشة الحب.
أن نفرح رغم علمنا بقِصر اللحظة.
أن نغفر رغم يقيننا بأن الألم قد لا يُشفى تمامًا.
أن نحيا، بكل وعينا، دون أن نفقد بَساطة القلب.
من ذاق النور، لا يعود قادرًا على التعايش مع الظلال.
لكنه يملك الخيار:
إما أن يلعن النور لأنه كشف القبح،
أو يشكره لأنه منحه القدرة على الرؤية.
وهذا ما يصنع الفارق بين من يحترق بوعيه، ومن يُضيء به



