«أنا بخير».. حين تصبح الطمأنينة واجبًا اجتماعيًا

✍️أ – نجلاء العتيبي – كاتبة سعودية:
ليست كل الإجابات التي نرددها انعكاسًا لحقيقتنا، ولعل عبارة «أنا بخير» أكثرها قدرة على إخفاء ما لا نقوى على قوله. كلمتان تختصران أحيانًا حكايات طويلة من القلق والإرهاق والصراعات الداخلية، نلجأ إليهما ليس بالضرورة رغبةً في إخفاء مشاعرنا، بل لأن الإفصاح عنها قد يكون أكثر مشقة من احتمالها بصمت.
في تفاصيل حياتنا اليومية، اعتدنا أن نسأل عن الأحوال كما نتبادل التحية، وأن نتلقى الإجابات المألوفة دون أن نتوقف عند معناها. أصبح السؤال في بعض المواقف إجراءً اجتماعيًا عابرًا، بينما تراجعت المساحة التي تسمح للإنسان بأن يجيب بصدق، دون خشية من تفسير مشاعره أو التقليل من شأنها.
ومن هنا يبرز تساؤل يتجاوز حدود الفرد إلى ثقافة المجتمع: هل أصبح إظهار التماسك مطلبًا اجتماعيًا يفوق في أهميته الاعتراف بالحاجة إلى المساندة؟
في بيئات تُقدّر الصبر وتُعلي من قيمة التحمل، قد يتشكل تصور غير معلن بأن الإنسان القوي هو الذي يواصل حياته دون أن يُظهر أثر ما يواجهه. ومع أهمية الصبر بوصفه قيمة إنسانية راسخة، فإن تحويله إلى التزام دائم بالصمت قد يحرم البعض من حقهم الطبيعي في التعبير عن التعب وطلب الدعم.
فالمعاناة النفسية لا ترتبط دائمًا بمظاهر يمكن ملاحظتها، ولا تعني بالضرورة تعثر الإنسان في أداء مسؤولياته. فقد ينجح المرء في عمله، ويحافظ على علاقاته، ويمارس حياته بصورة تبدو مستقرة، بينما يواجه في داخله ضغوطًا لا يدرك الآخرون حجمها. وهنا تكمن خطورة الاكتفاء بالمظاهر معيارًا للحكم على سلامة الإنسان النفسية.
غير أن الإشكالية لا تكمن في خفاء المعاناة وحده، بل في بعض الاستجابات الاجتماعية التي تجعل الحديث عنها أكثر صعوبة. فعندما يُقابل الإفصاح عن القلق بالاستخفاف، أو تُختزل المشاعر المؤلمة في نصائح سريعة، قد يشعر الإنسان بأن صمته أكثر أمانًا من مشاركته ما يمر به.
وليس من الإنصاف افتراض أن كل من يقدم نصيحة يفتقر إلى التعاطف؛ فكثير من هذه العبارات يصدر عن نوايا صادقة. لكن حسن النية لا يضمن دائمًا حسن الأثر. فالمساندة تبدأ بفهم ما يحتاج إليه الآخر، لا بما نفترض أنه ينبغي أن يسمعه.
إن الإصغاء ليس مجرد صمت أثناء حديث الآخر، بل اعتراف بأن تجربته تستحق أن تُفهم، حتى وإن عجزنا عن استيعابها كاملة.
وفي تقديري، فإن أحد أهم التحديات المرتبطة بالوعي النفسي هو إعادة النظر في مفهوم القوة. فالتماسك لا يعني إنكار المشاعر، والشجاعة لا تتطلب احتمال كل شيء بمفردنا، كما أن الاستعانة بالمختصين عند الحاجة لا تتعارض مع الصبر أو القدرة على مواجهة الحياة.
إننا بحاجة إلى الانتقال من ثقافة تُشيد بالتحمل في جميع الظروف إلى ثقافة تُقدّر كذلك الوعي بالذات، وتمنح الإنسان حق الاعتراف بحدوده دون أن يشعر بأن ذلك ينتقص من مكانته أو قيمته.
ولا يعني هذا أن نفتش خلف ابتسامات الآخرين بحثًا عن معاناة خفية، أو أن نفسّر الصمت والهدوء بوصفهما مؤشرين على اضطراب نفسي. فلكل إنسان خصوصيته، وليس من حق أحد أن يفرض عليه البوح. إنما المطلوب إيجاد بيئة تحترم هذه الخصوصية، وتتيح في الوقت نفسه مساحة آمنة للحديث حين يختار صاحبها ذلك.
والواقع أن الوعي بالصحة النفسية لا يتحقق بالشعارات الموسمية وحدها، بل يظهر في تفاصيل التعامل اليومي؛ في أسرة تستمع دون إصدار أحكام متسرعة، وفي بيئة تعليمية تحترم اختلاف التجارب، وفي مكان عمل يدرك أن الإنسان ليس آلة منفصلة عن ظروفه النفسية، وفي مجتمع لا يجعل طلب الدعم سببًا للخجل أو الوصمة.
فالمجتمع المتماسك لا يُقاس فقط بقدرة أفراده على تجاوز التحديات، بل بقدرته على احتوائهم حين تتجاوز التحديات طاقتهم.
ولعل أكثر ما نحتاج إليه هو أن نتعامل مع الإنسان بوصفه كيانًا متكاملًا، لا صورة اجتماعية يُطالب بالحفاظ عليها مهما كانت ظروفه. فمن حقه أن ينجح ويتعثر، وأن يطمئن ويقلق، وأن يكون قويًا دون أن يُحرم من لحظات الضعف التي لا يخلو منها أحد.
إننا لا نملك معرفة ما يدور في أعماق الآخرين، ولا نستطيع أن نكون حلًا لكل ما يواجهونه، لكننا نستطيع أن نخفف من وطأة الأحكام، وأن نحسن الإصغاء، وأن ندرك أن بعض الكلمات التي نقولها بعفوية قد تفتح بابًا للطمأنينة أو تغلقه.
إن النضج المجتمعي لا يتمثل في أن يبدو الجميع بخير، بل في ألا يخشى الإنسان الاعتراف بأنه ليس كذلك.
وحين نصل إلى هذا المستوى من الوعي، لن تكون عبارة «أنا بخير» إجابة يفرضها الخوف من نظرة الآخرين، بل تعبيرًا حرًا يختاره الإنسان حين يشعر به حقًا.
وحتى ذلك الحين، يبقى السؤال الأهم ليس: لماذا يخفي البعض معاناتهم؟ بل: هل صنعنا من حولهم ما يكفي من الأمان ليتمكنوا من الإفصاح عنها؟
فربما لا يحتاج من أمامنا إلى سؤال جديد عن حاله، بقدر ما يحتاج إلى الاطمئنان بأن إجابته الصادقة لن تغيّر نظرتنا إليه.
للتواصل:[email protected]



