كتاب الرأي

أطباقٌ تُنسى، وأمهاتٌ يتعبن، وذاكرةٌ تتلاشى

✍️ريم منصور سلطان – كاتبة رأي:

لم تكن الأطباق التي تخرج من مطابخ الأمهات يومًا مجرد طعامٍ يسد الجوع، كانت لغة سرية للحب، وطقسًا يوميًا لصناعة الألفة، وذاكرةً تُورث دون أن تُكتب ، كانت الأم تعرف من مقدار الملح ما لا تعرفه الملاعق ، ومن شهية أبنائها كيف مر يومهم، وكان لكل بيت مذاقه الخاص، حتى إنك تستطيع أحيانًا أن تستعيد بيت طفولتك من رائحة طبقٍ عابر في مطبخ غريب.

لكن ماذا يحدث حين تتغير الحياة، وتضيق ساعات اليوم، وتخرج الأم إلى العمل، وتعود منهكة لا تملك من الوقت ولا الطاقة ما يكفي لتقف أمام الموقد؟ ماذا يحدث حين يصبح الطبخ عبئًا إضافيًا على إمرأة تحمل في يومها أعباء العمل والمنزل والتربية، وحين تتحول الوجبة من حكاية تُصنع على نار هادئة إلى منتج جاهز يُطلب بضغطة زر؟

هل نحن أمام نهاية المطبخ العائلي، أم أمام تحول أعمق في علاقتنا بالطعام والذاكرة والأسرة؟

لم تعد الأم المعاصرة تعيش الإيقاع الذي عاشت به جدتها، لقد إتسعت مسؤولياتها، وتسارعت الحياة، وأصبحت ساعات اليوم أقل من أن تتسع لكل ما يُطلب منها، وفي كثير من البيوت، تعمل الأم خارج المنزل، ثم تعود لتبدأ عملًا آخر لا ينتهي: رعاية الأبناء، ومتابعة دراستهم، وتنظيف المنزل، والتفكير في إحتياجات الغد.

في هذه الحياة المزدحمة، قد يصبح الطبخ آخر ما تستطيع التمسك به، لا لأنها فقدت حبها لأبنائها، ولا لأنها لم تعد ترى في الطعام قيمة، ولكنها إستُنزفت قبل أن تصل إلى المطبخ.

ومع ذلك، يبقى السؤال: ماذا نفقد حين لا يعود أحد في البيت يطبخ كما كان يحدث من قبل؟

ذاكرة التذوق: الحاسة التي تحفظ طفولتنا هناك ذكريات لا تستقر في الصور، ولا تحفظها التسجيلات، هي تختبئ في حاسة التذوق والشم، قد يمرّ الإنسان بعشرات البيوت، لكنه حين يتذوق طبقًا يشبه ما كانت أمه تعده، يعود في لحظة إلى سنوات بعيدة، إلى طاولة صغيرة، وصوت أطباق، ونداء يأتي من المطبخ، ووجهٍ كان يضع الطعام أمامه دون أن يطلب من الدنيا جزاء ولا شكوراً ، كل ما كانت تتمناه أن ترى سعاده لتطمئن وتعلم أن الرضا قد بلغ مداه. 

إن مذاق الطعام المنزلي ليس وصفةً فحسب، إنه تراكم تفاصيل صغيرة لا تبدو مهمة في لحظتها: طريقة تقطيع البصل، ودرجة تحمير الأرز، والتوابل التي لا تُقاس بدقة، والإختلاف الطفيف الذي يجعل طبق أمٍّ مختلفًا عن طبق أم أخرى، حتى لو تشابهت المكونات.

إن الخطوره حين يكبر الأبناء على طعام لا يعرفون مصدره، ولا يشاهدون كيف يُعد، ولا يشاركون في صنعه، هم يأكلون جيدًا، وربما يأكلون أفضل من أجيال سابقة من الناحية الغذائية، لكنهم قد يفقدون فرصة التعرف إلى بعض الأذواق التي كانت جزءًا من هوية أسرهم، ليس لأن الطعام الجاهز بلا قيمة، ولا لأن كل طعام منزلي صحي بالضرورة، ولكن قد يكون لأن الطعام الذي نأكله ليس دائمًا هو الطعام الذي نتذكره، أحيانًا نتذكر الأيدي التي صنعته، والوقت الذي أُعطي لنا ونحن نأكله.

فحين تنقطع الوصفة، ينقطع معها شيء من الحكاية ، لم تكن الوصفة تنتقل دائمًا مكتوبة، كانت تنتقل بالمشاهدة والتجربة، وبالأخطاء التي تُصحح، وبالمقادير التي تُعرف بالعين واليد، فتتعلم الإبنة من أمها، وتراقب الجدة وهي تعد طبقًا إعتادت الأسرة تناوله في الأعياد، وتسمع الحكاية نفسها كلما تكررت الوصفة: كيف تعلمتها الجدة، ولماذا يُضاف هذا المكون دون غيره، ولماذا لا يشبه مذاق هذا الطبق مذاق أي طبق آخر.

أما اليوم، فقد يستطيع الأبناء الوصول إلى آلاف الوصفات عبر هواتفهم، لكن الوصول إلى الوصفة لا يعني بالضرورة إمتلاك الطعم، كما أن مشاهدة مقطع لا تعادل دائمًا الوقوف إلى جانب شخص يعرف متى يهدأ اللهب، ومتى يحتاج الطعام إلى مزيد من الوقت، ومتى تكون الرائحة دليلًا على أن كل شيء يسير كما ينبغي فإذا لم يعد أحد في الأسرة يمارس هذه المعرفة، فقد تتوقف سلسلة إنتقالها، ليس لأن الوصفات ستختفي ، إنما لأن النسخة الخاصة بالبيت، تلك التي لا تشبه تمامًا وصفة أي شخص آخر، قد لا تجد من يحملها إلى الجيل التالي.

وربما بعد عقود، سيعرف أحفادنا أسماء أطباق كانت جداتهم يتقنها، لكنهم لن يعرفوا مذاقها كما كان، سيعرفون مكوناتها، ولن يعرفوا تلك اللمسة التي لم تكن مكتوبة في أي مكان.

 هل تختفي الأطباق أم يتغير معناها؟ من السهل أن نرثي الماضي، وأن نتصور أن كل ما كان قديمًا أجمل، وأن كل ما يأتي به الحاضر أقل دفئًا، لكن الحقيقة أكثر تعقيدًا.

فالنساء اللواتي طبخن لأسرهن في الماضي لم يكن جميعًا يفعلن ذلك بدافع الإختيار وحده، فكثيرات كن يتحملن أعباء منزلية هائلة لأن المجتمع لم يمنحهن خيارات أخرى، وليس من العدل أن نطالب المرأة العاملة اليوم بأن تحتفظ بكل أدوار الأمس، وأن تؤديها بعد يوم عمل طويل، وكأن الزمن تغير في كل شيء إلا في توقعاتنا منها.

ولكن السؤال الذي يشغلني هو ماذا سيبقى من مذاق البيوت بعد جيلين؟ لعل أكثر ما يستحق التأمل ليس إختفاء طبق بعينه، ولكن في إحتمال أن تتشابه موائدنا أكثر فأكثر، وأن تصبح النكهات التي نعرفها مستمدة من سلاسل إنتاج واسعة، لا من الإختلافات الصغيرة التي صنعتها البيوت عبر سنوات طويلة.

قد يتناول جيل كامل أطعمة متشابهة، ويتعرف إلى مذاقات عالمية كثيرة، لكنه لا يعرف كيف كان يُعد الطبق الذي إرتبط بالأرض التي نشاء فيها، فالتراث لا يموت دائمًا حين تُنسى أسماؤه، أحيانًا يظل الإسم حيًا، بينما يختفي السياق الذي منحه معناه.

يجب أن نسأل أنفسنا: هل نريد حقًا أن تنشأ أجيال لا تعرف كيف تعد وجبة بسيطة؟ هل نريد أن تصبح معرفة أطباق عائلاتنا حكرًا على كبار السن، ثم تنتهي معهم؟ وهل نستطيع أن نحافظ على هذا الإرث من دون أن نعيد إنتاج الأعباء القديمة؟

الإجابة تبدأ من تفاصيل صغيرة: طفل يغسل الخضراوات إلى جانب أبيه، وإبنة تتعلم من جدتها إعداد طبق تحبه، وأسرة تجتمع مرة في الأسبوع لتحضير وجبة، لا لأن أحدًا ملزم بها، إنما من أجل أنهم يريدون أن يصنعوا شيئًا مشتركًا،عندها لن تكون الوصفة مجرد مقادير، هي تحولت إلى معرفة تنتقل، ووقتًا يُمنح، وذاكرة تتشكل.

ختاما ربما لن تختفي الأطباق المنزلية في المستقبل، وربما ستعود إليها أجيال تبحث عن الأصالة وسط عالم سريع ومتشابه، لكن الخوف الحقيقي هو أن نفقد الصلة بين الطعام والإنسان، وأن ننسى أن بعض الأشياء لا تُورث بمجرد الإحتفاظ بأسمائها، ولكن عندما نممارسها ونشاركها، فالنكهة التي لا يتذوقها الطفل في طفولته قد لا تصبح يومًا جزءًا من ذاكرته، والوصفة التي لا يتعلمها أحد قد تبقى مكتوبة، لكنها تفقد حياتها حين لا تعود يد تعرف كيف تصنعها.

للتواصل:[email protected]

Eman Saad

مسؤولة النشر والتدقيق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى