ليس كل اختلاف خلافًا.. ولا كل صمتٍ يعني جفاء

✍️أ- محمد علي كريري – كاتب سعودي:
في حياتنا الاجتماعية والعملية نلتقي بأشخاص تجمعنا بهم المودة والاحترام وتربطنا بهم سنوات من العِشرة والمواقف والذكريات الجميلة لكننا قد نختلف معهم يومًا في وجهات النظر أو تتباين آراؤنا حول موقف أو قرار أو تصرف. وهنا تبدأ بعض العلاقات في مواجهة اختبار حقيقي فإما أن يكون الاختلاف مساحةً للحوار والتفاهم وإما أن يتحول إلى خلاف يترك في النفوس أثرًا لا تمحوه الأيام بسهولة.
من الطبيعي أن تختلف الآراء فليس من الضروري أن نتفق جميعًا على كل شيء ولا أن نفكر بالطريقة ذاتها. لكل إنسان قناعاته وتجربته وأسلوبه في قراءة المواقف وفهم الأحداث. لكن المشكلة ليست في اختلاف وجهات النظر بل في الطريقة التي نتعامل بها مع هذا الاختلاف.
كم من علاقة صداقة تأثرت بسبب كلمة فُهمت على غير معناها وكم من زميل ابتعد عن زميله بسبب موقف لم يُفسَّر كما ينبغي وكم من خلاف بدأ بتصرف عابر ثم تضخم بسبب التسرع في الحكم وغياب المصارحة، والاستماع إلى الآخرين بدلًا من الاستماع إلى صاحب العلاقة نفسه.
إن سوء الفهم من أكثر الأمور التي تزرع المسافات بين الناس خصوصًا عندما نسمح للظنون بأن تسبق الحقائق وللغضب بأن يتقدم على العقل وللكبرياء بأن يمنعنا من السؤال أو الاعتذار أو توضيح الموقف.
والأجمل في العلاقات الإنسانية أن ندرك أن الاختلاف لا يعني قلة المحبة وأن عدم الاتفاق لا يعني عدم الاحترام وأن لكل إنسان زاوية ينظر من خلالها إلى الأمور وقد يرى ما لا نراه أو يفهم الموقف بطريقة تختلف عن فهمنا.
أما في بيئة العمل فإن اختلاف وجهات النظر ينبغي أن يكون مصدرًا لتعدد الأفكار وتطوير الأداء لا سببًا للخصومة وتصفية الحسابات الشخصية. فالزمالة الحقيقية تقوم على الاحترام المتبادل وتقدير الجهود، والفصل بين الاختلاف المهني والعلاقة الإنسانية. وليس من النضج أن نحول كل رأي مخالف إلى موقف شخصي أو أن نفسر كل ملاحظة على أنها إساءة أو انتقاص.
ومن الحكمة أن نتعلم متى نتحدث وكيف نختلف ومتى نتراجع عن موقفنا إذا اكتشفنا أننا أخطأنا. فالاعتذار لا يقلل من قيمة الإنسان، بل يكشف عن رقي أخلاقه والتسامح ليس ضعفًا بل قوة لا يمتلكها إلا أصحاب النفوس الكبيرة.
ليس مطلوبًا منا أن نكسب كل نقاش ولا أن نثبت دائمًا أننا على صواب فبعض العلاقات أثمن من أن نخسرها من أجل رأي وبعض المواقف تستحق أن نتجاوزها حفاظًا على الود وبعض الكلمات يكفي أن نقولها بصدق حتى تعود المياه إلى مجاريها.
وفي النهاية تبقى العلاقات الإنسانية أجمل حين يسودها حسن الظن ويزينها الاحترام ويحكمها الحوار الراقي. فلنختلف دون أن نتخاصم، ولنتعاتب دون أن نتجـارح ولنحافظ على الود حتى وإن تباينت الآراء.
فليس العيب أن نختلف وإنما العيب أن نجعل من اختلافنا سببًا لنسيان كل ما جمعنا من مودة ومواقف طيبة.
فالقلوب الراقية لا تبحث عن الانتصار في الخلاف بل تبحث عن طريق يحفظ الود ويصون العِشرة.
للتواصل:[email protected]



