رحلة السعي وكنز البصيرة

✍️عبدالله الزبيدي – كاتب سعودي :
كثيراً ما نركض في زحام هذه الدنيا نشقي الروح طلباً لمتعة الجسد، نظن أن السعادة تُختصر في حطامٍ يتسابق الناس إليه، أو في قصورٍ شيدتها الأماني.. وحين يتأمل المرء في ساعة صفاء، يدرك كم كانت رحلة السعي أحياناً أوسع وأشق مما تقتضيه حقيقة العمر..
{أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ} [التكاثر: 1-2].
العمر قصير، فمن الخسارة أن يضيع حسرةً على فائتٍ من الدنيا في الأصل لم يكن له.. والمتأمل يقف مذهولاً أمام وصيةٍ نبويةٍ قصيرةٍ بلفظها، عظيمةٍ بوزنها، يختصر بها المصطفى صلى الله عليه وسلم مفتاح الفلاح كله حين يقول:
(أَرْبَعٌ إِذَا كُنَّ فِيكَ فَلَا عَلَيْكَ مَا فَاتَكَ مِنَ الدُّنْيَا: حِفْظُ أَمَانَةٍ، وَصِدْقُ حَدِيثٍ، وَحُسْنُ خَلِيقَةٍ، وَعِفَّةٌ فِي طُعْمَةٍ).
إنها الأوتاد التي يثبت بها المرء حين تشتد عواصف الحياة، وبها يستغني الإنسان عما فاته من بهارجها، متأسياً بقوله جل وعلا:
{لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفَرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ} [الحديد: 23].
أولاً: حفظ الأمانة
العنوان الأصدق لنبل المعدن؛ فهي روحٌ تمشي على الأرض، فحين يمتد الأفق القرآني ليرسم صفات المؤمنين المفلحين، يضع الأمانة في طليعة وسامهم العالي:
{وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} [المؤمنون: 8].
ثانياً: صدق الحديث
الكلمة تُعرّف صاحبها، والصدق هو مرآة النقاء الداخلي:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة: 119].
وقد اشتهر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بالصادق الأمين حتى قبل أن يُبعث، فالصدق والأمانة من أنبل الأخلاق وأعظمها.
ثالثاً: حسن الخلق
به تطيب بك المجالس وتأنس بك الأنفس.. فحسن الخلق لمسةٌ حانية تترك أثراً لا يُمحى؛ بطلاقة الوجه، ولين الجانب، وحسن المعشر.. ولنا في خلق نبينا صلى الله عليه وسلم الأسوة العظمى:
{وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4].
رابعاً: عفة المطعم
تلك الطهارة الخفية التي تنبت في الوجدان سعةً وبركةً بأن تتحرى الحلال الطيب في لقمتك وكسبك، امتثالاً لنداء رب العالمين:
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا} [البقرة: 168].
حين تجتمع هذه الأربع في صدر إنسان مستظلةً بآي الذكر وهدي النبوة، فلسان حاله يقول: وداعاً للحرص المذموم، وسلاماً على قلبٍ استغنى بما آتاه الله، مردداً بقناعة واثقة:
{قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} [يونس: 58].
اللهم زيّنّا بأخلاق القرآن، واجعلنا ممن غرسوا في الدنيا طيب الأثر، وظفروا بالرضا والقبول.
للتواصل: [email protected]



