كتاب الرأي

حين تكتب الآلة.. ماذا يبقى للإنسان؟

    ✍️خلف سرحان القرشي – مؤلف وكاتب رأي : 

في الفصل الأول من روايتي «شهريار»، استدعيتُ شهريار إلى أرضنا عبر «جرجور»، ذلك المارد الذي خرج لي من قمقمه في ليلة أرق. وكانت شهرزاد حاضرة في ذهني منذ البداية، لكن حضورها في تخطيطي لم يكن يتجاوز الإشارة والذكر؛ لم يخطر لي أن أُحضرها هي الأخرى، ولا أن أجعلها تلتقي بشهريار. لكن الحبكة كانت تكبر فصلًا بعد فصل، وتفتح أبوابًا لم تكن في الحسبان، حتى خطرت لي الفكرة: أن يأتي جرجور بشهرزاد أيضًا، وأن يلتقي الاثنان على الأرض. نفذتها في الفصل العاشر، حين عاد جرجور ومعه شهرزاد، فجاءت -بحمد الله- من أوفق ما في الرواية.
أتذكر هذه التجربة كلما قرأت أو سمعت أن الآلة صارت تكتب القصص والروايات. فما حدث لم يكن في أي خطة، وما كان ليحدث لو أنني وصفت لتطبيق ذكي ما أريده وجلست أنتظر النص. الفكرة جاءت من داخل الكتابة نفسها، من معايشة الشخصيات يومًا بعد يوم.
لم يعد الذكاء الاصطناعي يكتفي بمساعدة الإنسان في الأعمال الحسابية والتنظيمية والتقنية، بل اقتحم مجالات ظلت طويلًا حكرًا على قدراته الإبداعية، وفي مقدمتها الأدب. صار بوسع أي شخص أن يطلب قصة قصيرة أو قصيدة أو فصلًا من رواية، وأن يحدد موضوعها وشخصياتها وأسلوبها، ليحصل خلال ثوانٍ على نص متماسك البناء، جميل اللغة، مكتمل العناصر الفنية.
ولا أنكر أن في ذلك ما يدهش. لكن ما يقلقني هو ما قد نكفّ نحن عن فعله، أكثر مما تستطيعه الآلة. أخشى أن نكون أمام مفارقة عجيبة: يتقدم الذكاء الاصطناعي في الإبداع الأدبي، وتتراجع عند بعضنا القدرة على ممارسته، لا لأن الآلة انتزعتها منا، بل لأننا تخلّينا عن تنميتها طوعًا.
فالكتابة الأدبية أكثر من إنتاج نص جيد؛ هي تجربة ذهنية ووجدانية تتشكل فيها أفكار الكاتب ورؤيته وأسلوبه. والقاص حين يجلس أمام الصفحة البيضاء لا تكون الحكاية مكتملة في ذهنه بالضرورة؛ قد يكتشف شخصياته وهو يكتب، وتتغير مسارات الأحداث بين يديه، وتولد فكرة لم تخطر له حين بدأ. وهذا بالضبط ما حدث لي مع شهرزاد.
إنه لا يكتب ما يعرفه دائمًا، بل يكتب أحيانًا ليعرف.
قد يقول قائل: الآلة نفسها كانت ستقترح ذكر شهرزاد على من يكتب عن شهريار، فلا يُذكر أحدهما إلا ويُذكر الآخر. وهذا صحيح، وهو ما كان في ذهني أصلًا. لكن الذي جاءني وأنا أكتب شيء آخر: أن تنزل شهرزاد بنفسها إلى الأرض، وأن يصبح لقاؤهما شيئًا تحتاجه الحبكة. ولا أظن الآلة تمنح الكاتب هذا؛ فهي لا تعيش معه نصه وهو يكبر، ولا تجعله يفهم لماذا جاءت الفكرة في ذلك الموضع تحديدًا. ومن هنا، فإن اختصار العملية الإبداعية كلها في تعليمات نوجهها إلى الآلة قد يمنحنا نصًا، لكنه يحرمنا من جانب مهم من التجربة التي تصنع الكاتب نفسه.
ولعل الخطر أشد على المبتدئين. فالكاتب الذي لم يختبر بعد مشقة البحث عن العبارة المناسبة، ولم يتعلم كيف يبني مشهدًا أو يطور شخصية أو يعالج خللًا في السرد، قد يجد في الذكاء الاصطناعي طريقًا مريحًا لتجاوز هذه الصعوبات. لكنه، وهو يتجاوزها، قد يفوّت على نفسه مهارات لا تأتي إلا بالمحاولة والمراجعة والتجربة.
فليس كل ما يختصر الجهد يختصر الطريق إلى الإبداع؛ إذ إن بعض ذلك الجهد هو الطريق نفسه.
أما الكاتب المتمرس فأقدر على الاستفادة من هذه الأدوات دون أن يفقد استقلاله، لأن عنده من الخبرة والذائقة ما يجعله يقبل المقترح أو يرفضه. أما من لم تتكون أدواته بعد، فقد يجد نفسه معتمدًا على أحكام الآلة، دون أن يملك ما يناقشها به.
وثمة أثر أخفى. فالإنسان يكتب أيضًا ليعبّر عن ذاته، ويستكشف مشاعره، ويعيد فهم تجاربه. وقد يكتب قصة ضعيفة فنيًا، لكنها تكون خطوة لا غنى عنها في تكوينه الأدبي. فإذا اعتاد أن يقارن محاولاته الأولى بنصوص تنتجها الآلة في ثوانٍ، فقد يفقد الثقة في موهبته قبل أن يمنحها فرصة النمو.
وهناك مسألة أراها بالغة الأهمية، تتصل بالصوت الأدبي الخاص. فالكاتب لا يتميز بسلامة لغته أو إحكام حبكته وحدهما، بل بطريقته في رؤية العالم والتعبير عنه. لكل كاتب، مع الزمن، إيقاعه ومفرداته وانحيازاته الجمالية، بل وحتى عثراته التي تتحول إلى جزء من شخصيته الأسلوبية.
ومن يعتد إسناد الصياغة إلى الآلة يحصل على لغة أكثر سلاسة وأناقة، لكنها ليست لغته. ومع تكرار محاولات «التحسين» تتقارب النصوص وتتشابه أساليبها وإن اختلفت موضوعاتها، فنجد أنفسنا أمام كتابات محكمة الصنعة، لكنها تفتقر إلى البصمة التي تدلنا على صاحبها من جملة أو فقرة.
وقد يعترض أحدهم بأن الكتّاب استعانوا دائمًا بالمحررين والأصدقاء، وتعلموا بتقليد من سبقهم. وهذا صحيح، لكن المحرر يقترح والكاتب هو من يقرر، والتقليد مرحلة يمر بها الكاتب ثم يخرج منها بصوته. أما حين نترك للآلة الصياغة نفسها، فهي التي تقرر، وقد لا ننتبه إلى ذلك أصلًا.
ولا يعني هذا أنني أدعو إلى إبعاد الذكاء الاصطناعي عن الأدب، أو أنكر ما يتيحه للكتّاب من فرص. بل أراه مساعدًا نافعًا في مراجعة النصوص، ومناقشة بنائها، واكتشاف ثغراتها، واقتراح احتمالات لم ينتبه إليها الكاتب. غير أن الفارق كبير بين أن تستخدمه محاورًا لنصك، وأن تجعله مؤلفًا له؛ بين أن تستعين به لاختبار خياراتك الفنية، وأن تعهد إليه باتخاذها نيابة عنك.
ولذلك فإنني لا أخشى أن تكتب الآلة روايات وقصائد وقصصًا تتفوق فنيًا على كثير مما يكتبه البشر، بقدر ما أخشى أن يصرفنا انبهارنا بها عن الكتابة بأنفسنا. فالأدب ليس صناعة نصوص للقراءة وحسب، وإنما ممارسة إنسانية تتجدد بها علاقتنا باللغة والذاكرة والخيال والحياة.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا ليس: هل ستكتب الآلة الأدب بدلًا منا؟ بل: هل سيظل الإنسان راغبًا في الكتابة حين يجد من يكتب عنه؟

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى