لا تستفز الأسود… فالصمت ليس عجزاً والحساب لا يسقط بالتقادم

✍️ ع.م. ندى عزيز الخمعلي – كاتب سعودي :
في ظل الظروف الراهنة التي تمر بها المنطقة وما تشهده من تجاذبات عسكرية واقتصادية وسياسية، تتكشف المواقف وتظهر النوايا على حقيقتها، فهناك من يختار طريق الحكمة والتعاون من أجل استقرار المنطقة وأمن شعوبها، وهناك من يتخذ من المناكفات السياسية ومحاولات التعطيل وسيلة لإعاقة المملكة العربية السعودية، مدفوعاً بأطماع أو حسابات ضيقة أو غيرة من مكانتها وثقلها الإقليمي والدولي.
إن المملكة ليست دولة عابرة في معادلات المنطقة، وليست رقماً يمكن تجاوزه أو التأثير عليه بمناورات سياسية أو حملات إعلامية أو محاولات خفية تستهدف أمنها ومصالحها. إنها دولة تمتلك من الثقل السياسي والاقتصادي والعسكري والدبلوماسي ما يجعلها قادرة على حماية مصالحها والتعامل مع التحديات بعقل الدولة الواثقة التي تعرف متى تتحدث ومتى تصمت ومتى تتخذ القرار.
والأخطر من المناكفات المعلنة هو الاختباء خلف ثوب الصداقة بينما تُمارس أفعال تتعارض مع مقتضيات حسن الجوار والشراكة، أو تسعى إلى خدمة أجندات أطراف معادية. فالصداقة ليست شعارات تُرفع عند الحاجة، ولا اتفاقيات تُستغل لتحقيق مصالح على حساب أمن الآخرين، بل مواقف صادقة تُختبر في أوقات الأزمات. ومن يظن أن إخفاء النوايا كفيل بحمايته من انكشافها، فعليه أن يدرك أن الدول الواعية لا تبني قراراتها على المظاهر وحدها، بل تراقب الأفعال وتقرأ ما وراءها.
أما ما يتعلق بأي معلومات استخبارية أو محاولات تسريب تمس أمن المملكة، فإن ذلك شأن بالغ الخطورة، تتعامل معه مؤسسات الدولة المختصة وفق ما تقتضيه حماية الأمن الوطني، من رصد وتحقق ومتابعة ومحاسبة وفق الأنظمة. فلا أمن الوطن مجال للمساومة، ولا من يعبث بمصالحه يمكن أن يتوقع أن تمر أفعاله دون مساءلة متى ثبتت بالأدلة.
وفي المقابل، تدير المملكة أزماتها بقدر عالٍ من الحكمة والحنكة السياسية، وتفتح قنوات التواصل مع شركائها، وتنويع علاقاتها، وتعزيز قدراتها الدفاعية، وتأمين احتياجاتها العسكرية من مصادر متعددة، انطلاقاً من مبدأ واضح: سيادة القرار الوطني وأمن الوطن فوق كل اعتبار. فلا الضغوط الخارجية ينبغي أن تصادر حق الدول في حماية نفسها، ولا المصالح الدولية يمكن أن تكون بديلاً عن المصلحة الوطنية العليا.
لقد أثبتت التجارب أن المملكة لا تنجر إلى الاستفزازات، ولا تتخذ قراراتها تحت ضغط الانفعالات، بل تزن الأمور بميزان المصالح والاستراتيجيات، وتعرف أن القوة الحقيقية ليست في كثرة التصريحات، وإنما في القدرة على الفعل واتخاذ القرار في الوقت المناسب.
وما يحيق المكر السيئ إلا بأهله، ومن يزرع الخيانة ويحاول الإضرار بالآخرين قد يجد نفسه يوماً ضحية ما دبّره بيده، فالتاريخ لا يرحم أصحاب النوايا الخبيثة، والحقائق مهما طال إخفاؤها لا بد أن تظهر.
ولعل أجمل ما يميز المملكة في هذه المرحلة هو تماسك جبهتها الداخلية، فخلف القيادة شعب واعٍ ومخلص، يقف صفاً واحداً خلف قيادته، مدركاً أن أمن الوطن مسؤولية الجميع، وأن المعركة لا تقتصر على الميدان العسكري، بل تمتد إلى ميادين الاقتصاد والإعلام والسياسة والوعي المجتمعي ومواجهة الشائعات وحماية المكتسبات الوطنية.
لا تستفز الأسود، فهدوء الأسد ليس ضعفاً، وصمته ليس غفلة، وإنما ثقة في القدرة وحكمة في اختيار التوقيت. والمملكة العربية السعودية أكبر من أن تنال منها المناكفات، وأقوى من أن تربكها المؤامرات، وأوعى من أن تنطلي عليها الوجوه التي تخفي خلف الابتسامات أنياب الغدر.
حفظ الله المملكة وقيادتها وشعبها، وأدام عليها نعمة الأمن والأمان، ورد كيد كل من أراد بها سوءاً في نحره، وجعل راية الوطن عالية عزيزة شامخة.
للتواصل : [email protected]



