«في فقه الامتنان.. كيلا يعود المعروف حافيًا»

✍️أروى بنت مسلط العتيبي – كاتبة سعودية :
في الوقت الذي رتبت فيه رفوف قلبك
لاستقبال قوافل الامتنان عاد إليك المعروف حافيًا
يرتدي غبار الجهود وعلى وجهه هيئة نسيان
في خضم تسارع الحياة وتعدد انشغالاتها قد تمر بنا مواقف كثيرة تستحق التوقف عندها والتأمل في تفاصيلها لكننا أحيانًا نعتاد النعم حتى لا نعود نلتفت إليها ونألف المعروف حتى يغيب عن أعيننا أثره وقيمته وكم من معروف عاد إلى صاحبه مثقلًا بخيبة الانتظار وكم من جهد بذل بإخلاص ولم يجد كلمة تقدير تنصفه أو تعبيرًا يشعر صاحبه بأن ما قدمه كان موضع امتنان واعتراف
وهنا تبرز أهمية ما يمكن أن نسميه فقه الامتنان بوصفه ثقافة إنسانية راقية تتجاوز مجرد الشعور الداخلي إلى وعي بقيمة الإحسان وسلوك يظهر في تعاملاتنا وكلماتنا ومواقفنا
فالامتنان ليس مجرد كلمة تقال عند تلقي المعروف بل هو وعي بقيمة ما نملكه وإدراك لأثر ما يقدمه الآخرون في حياتنا وهو أن يرى الإنسان الجميل وسط تفاصيل يومه وأن يقدر الجهود التي قد لا يراها غيره وأن يدرك أن وراء كثير من الأشياء التي تبدو عادية أشخاصًا بذلوا وقتًا واهتمامًا ومحبة ليجعلوا الحياة أكثر لطفًا
وفي فقه الامتنان لا يقاس التقدير بحجم الفعل بل بصدق الأثر ولا يكون الشكر محصورًا في المواقف الكبيرة أو العطايا العظيمة بل يمتد إلى التفاصيل الصغيرة التي قد نألفها حتى نغفل عن قيمتها ومن مراتب هذا الفقه إدراك الجهود الخفية ومعرفة ما يبذل خلف الستار ومقاومة الاعتياد حتى لا تذهب الألفة بهجة النعمة ولا تسقط المداومة حق صاحب الإحسان في الثناء
وقد حثنا الإسلام على شكر النعم وتقدير الإحسان وجعل الشكر خلقًا عظيمًا يتصل بالإيمان وحسن التعامل فقال الله تعالى ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ كما قال رسول الله ﷺ «لا يشكر الله من لا يشكر الناس» وفي ذلك دلالة على أن شكر الناس وتقدير إحسانهم من المعاني التي ينبغي أن تستقر في أخلاق المسلم وسلوكه
ولا تكتمل ثقافة الامتنان بالشعور وحده بل تحتاج إلى التعبير عنها فكم من كلمة شكر صادقة صنعت في نفس صاحبها أثرًا لا تصنعه عبارات طويلة وكم من تقدير جاء في وقته فخفف عن إنسان عناء جهده وأشعره بأن ما قدمه لم يذهب سدى فالتعبير عن الامتنان ليس مجاملة عابرة بل اعتراف بقيمة الآخر واحترام لجهده ومراعاة لمشاعره
وقد يكون الامتنان بكلمة طيبة أو رسالة صادقة أو دعوة بظهر الغيب أو رد جميل أو حفظ معروف أو حتى بالوفاء لمن وقف معنا في وقت الحاجة وليس شرطًا أن يكون التعبير عنه كبيرًا أو مكلفًا فبعض المعاني العظيمة تسكن في أبسط الكلمات وأكثرها صدقًا وقد تصنع كلمة في وقتها أثرًا عظيمًا وتعيد إلى المعروف بهجته وإلى صاحبه شعوره بقيمة ما قدم
ومن قيود الامتنان المكتوم أن يظل الشكر حبيسًا في الصدر كهدية نحتفظ بها ولا نقدمها فليس كافيًا أن نشعر بالامتنان دون أن نعبر عنه أو أن نقدر المعروف في قلوبنا دون أن يصل ذلك إلى صاحبه فالكلمة الطيبة قد تكون أبلغ من هدية والاعتراف بالجميل لا ينقص من قدر قائله بل يكشف عن سمو خلقه
ومن المهم أن تمتد ثقافة الامتنان إلى مختلف دوائر حياتنا فنشكر الوالدين على ما قدماه من عطاء لا تحيط به الكلمات ونقدر جهود العاملين من حولنا ونحفظ للمعلم فضله وللزميل تعاونه وللصديق وفاءه ولا ننتظر المناسبات حتى نعبر عن تقديرنا فالمعروف يستحق الشكر حين يقع والجميل يستحق الاعتراف ما دام أثره حاضرًا
كما أن الامتنان لا يعني تجاهل الصعوبات أو إنكار ما ينقصنا بل يعني ألا تسمح لنا المشاغل والتحديات بأن نغفل عما بين أيدينا من خير وأن نوازن نظرتنا للحياة فلا نحصرها فيما نفتقده وننسى ما نحظى به فالامتنان لا يلغي حاجات الإنسان ولا ينكر ما يواجهه من صعوبات لكنه يمنحه قدرة على رؤية الخير وسط انشغالاته وإدراك ما يستحق الشكر في حياته
إن المجتمعات التي تسودها ثقافة الامتنان أكثر قدرة على بناء علاقات متينة يسودها الاحترام والتعاون والتقدير لأن الإنسان حين يشعر بأن جهده مرئي ومعروف تزداد رغبته في العطاء ويصبح الإحسان متبادلًا لا ينتظر مقابلًا بقدر ما يستمد استمراره من أثره الطيب
وفي النهاية فإن الامتنان ثقافة تبدأ من القلب لكنها لا ينبغي أن تبقى حبيسة الشعور بل تحتاج إلى لسان يعبر عنها وسلوك يجسدها ومواقف تحفظ أثرها فلنعتد أن نرى الجميل ونذكره وأن نقول شكرًا حين تستحق الكلمة وأن نرد المعروف بالوفاء فالحياة لا تزداد جمالًا بما نحصل عليه فحسب بل بما نقدره ونحسن الاعتراف به
فليكن الامتنان حاضرًا في قلوبنا وألسنتنا وأفعالنا ولنجعل من تقدير المعروف طبعًا لا يغيب ومن الاعتراف بالجميل أثرًا يبقى .
للتواصل: [email protected]



