الظلُّ الذي يُضيء الآخرين وينسى ظلَّه

✍️عائشه السبيعي – كاتبة سعودية :
جبر الخاطر.. حين يصبح النبل نوراً لا يُرى:
ثمة أرواحٌ خُلقت لتكون مواسمَ ربيعٍ في حياة الآخرين؛ تمرُّ على القلوب المثقلة كنسمةٍ باردة في قيظ التعب،
وتترك في النفوس أثراً يشبه الغيث حين يلامس أرضاً أضناها الجدب.
لا تتكلّف الإحسان، ولا تُعدّ خطواتها نحو الخير، ولا تنتظر من عطائها صدىً أو مقابلاً؛ إنما تفعل ذلك بعفويةٍ تشبه نقاء الفطرة، وكأن جبر الخواطر لغةٌ فطرية تتحدث بها أرواحها دون أن تستأذن عقولها.
وما أعجب ذلك التحوّل الذي يحدث في ملامح إنسانٍ جُبر خاطره على حين غفلة! كأن يداً خفيةً أزاحت عن وجهه غبار الأيام، وأعادت إلى عينيه بريقاً كان قد خفت تحت وطأة الهموم. تنفرج أساريره، وتلين ملامحه، ويشرق محيّاه بضياءٍ لا تصنعه مساحيق الجمال، ولا تمنحه ملامح الوجه بقدر ما تمنحه طمأنينة القلب.
إنه ليس جمالاً عابراً، بل جمال الروح حين تجد من يراها، ويشعر بها، ويُربّت على موضع وجعها دون أن يطلب منها تفسيراً أو اعتذاراً.
ومضةُ حنانٍ لا تعرف المواعيد:
جبر الخاطر ليس فعلاً يُدار بحسابات المصالح، ولا معروفاً يُقدَّم وفي طيّاته انتظار الجزاء؛ إنه نبالةٌ صافية، وحنانٌ يتسلّل إلى المواقف دون موعد، وكأن الرحمة حين تسكن قلباً تسبق صاحبها إلى حيث يحتاجها الآخرون.
قد تكون كلمةٌ في وقتها، أو التفاتةٌ لم يتوقعها أحد، أو سؤالاً صادقاً شعر معه إنسانٌ أنه ليس منسياً في زحام الحياة، أو موقفاً صغيراً في حجمه، عظيمًا في أثره؛ فكم من قلبٍ أعادته كلمةٌ إلى الحياة، وكم من روحٍ انتشلها اهتمامٌ عابر من عتمةٍ لم يكن يراها أحد!
فليس كل انكسارٍ يحتاج إلى يدٍ تمتد، ولا كل حزنٍ يحتاج إلى خطابٍ طويل؛ أحياناً يكفي أن يشعر الإنسان أن هناك من انتبه إلى تعبه،
وأحسّ بصمته، وأحسن إليه دون أن يضطر إلى شرح ألمه.
وهنا تكمن عظمة جبر الخاطر؛ أن تمنح إنساناً شعوراً بالأمان دون أن تسأله عن أسباب خوفه، وأن تردّ إليه شيئاً من نفسه دون أن تُشعره بأنه كان مكسوراً.
ارتدادُ النور.. حين يُضيء العطاء صاحبه:
ولعل أعمق أسرار جبر الخاطر أن النور لا يستقر في قلب المتلقّي وحده؛ بل يرتدّ إلى قلب مانحه، وإن لم يشعر بذلك في اللحظة ذاتها.
فحين تُرمّم كسراً في روح إنسان، لا تكون قد أصلحت جزءاً من حياته فحسب، بل تكون قد أضأت في روحك نافذةً أخرى.
وحين تزرع ابتسامةً على وجهٍ أرهقه العناء، فإنك تزرع في داخلك معنىً لا تبلغه الكلمات؛ معنى أن تكون سبباً في تخفيف وطأة الحياة عن قلبٍ آخر.
إنها معادلة الرحمة التي لا تخضع لموازين البشر؛ تعطي فتتّسع روحك، وتُسعد فتسكن نفسك، وتُخفّف عن غيرك فيخفّ عن قلبك ما لا تعرف له اسماً.
وهنا تتجلّى الحكمة الإلهية في أبهى معانيها: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾ [الإسراء: 7].
فالإحسان لا يمضي من صاحبه كما تمضي الأشياء؛ بل يترك في روحه أثراً، وفي قلبه سكينةً، وفي أيامه بركةً لا يعلم مداها إلا الله. وما أصدق المعنى الذي تحمله صنائع المعروف؛ فهي بذور خيرٍ قد لا يرى الإنسان ثمارها في حينها، لكنها لا تضيع عند الله.
الظلُّ الذي لا يرى ضياءه:
وهنا تعود بنا الحكاية إلى أولئك الذين يُضيئون الآخرين وينسون أنفسهم؛ أولئك الذين يلتقطون انكسارات الناس من نبرة أصواتهم، ويقرؤون الحزن خلف ابتساماتهم، ويعرفون كيف يرمّمون ما أفسدته قسوة الأيام، بينما قد تمرّ عليهم لحظاتٌ لا ينتبه فيها أحد إلى تعبهم، ولا يسأل عن ظلال الحزن التي تسكن أعماقهم.
إنهم كالأشجار الوارفة؛ تمنح المارّين ظلالها، وتظلّ واقفةً في مواجهة الشمس، لا تطلب من أحدٍ أن يلتفت إلى جذورها العطشى.
لكن من المهم ألا ننسى أن جابر الخواطر بشرٌ أيضاً؛ يحتاج إلى من يجبر خاطره، وإلى كلمةٍ تواسيه، وقلبٍ يتفقّد صمته، ويدٍ تربّت على كتفه حين يخذله التعب.
فليس من العدل أن نعتاد عطاءه حتى نظنّ أنه لا يحتاج، أو نألف ضياءه حتى ننسى أن للنور مصدراً قد يتعب من فرط الإشراق.
فأحسنوا إلى أولئك الذين يُحسنون إليكم، وتفقّدوا من اعتادوا تفقد الآخرين، واجبروا خواطر من جعلوا جبر الخواطر طبعاً فيهم؛ فربما كان أكثر الناس قدرةً على مواساة الآخرين أحوجهم إلى مواساةٍ صادقة.
فما أجمل أن تكون عابراً في حياة أحدهم، لكنك تترك فيه أثراً لا يعبر؛ وأن تكون سبباً في ابتسامةٍ عادت إلى وجهٍ نسي كيف يبتسم، ونورٍ عاد إلى عينٍ أطفأها التعب.
فجبر الخواطر ليس مجرد إحسانٍ نقدّمه للآخرين، بل هو فنٌّ رفيع من فنون الرحمة، وعبادةٌ تتخفّى في هيئة كلمة، ونبلٌ قد لا يلتفت إليه الناس، لكنه لا يغيب عن علم الله.
ولعل أجمل ما في الأمر أن بعض القلوب لا تعرف أنها تُضيء، لأنها منشغلةٌ بإشعال النور في قلوب الآخرين.
طوبى لمن كان للقلوب المكسورة جبراً، وللأرواح المتعبة مأوى، وللوجوه الحزينة سبباً في عودة النور؛ وطوبى لمن لم يجعل من طيب أثره حكايةً يرويها، بل جعله خُلُقاً يعيش به، وأثراً يتركه حيثما مرّ .
للتواصل : [email protected]



