كتاب الرأي

﴿مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍۢ﴾، وما على الأجواد إلا جهودها

✍️سعيد بن عبدالله جفشر – كاتب سعودي :

اشتكى إليّ أحد الزملاء قائلًا: «يا دكتور، اتصل بي أحدهم مرارًا من رقم لا أعرفه، وحين تيسر لي الرد وسمعت صوته، تذكرت أنني التقيته في إحدى المناسبات، فاعتذرت إليه عن تأخري غير المقصود. ثم عرض عليّ موضوعًا شائكًا، لا أملك فيه قرارًا ولا قدرة على إنجازه، وإن لم يكن في أصل طلبه مخالفة للنظام أو تعدٍّ على حقوق أحد.

وفي أثناء حديثه قال: أنت صديق المسؤول الفلاني، وتلعب معه البلوت! وكم تمنيت أن أكون صديقًا لذلك المسؤول الحازم العادل، وكم تمنيت أن ألعب البلوت، التي تعلمتها وأتقنتها، ثم حال بيني وبينها وعد قطعته لوالدي، رحمه الله، ألا ألعبها، فالتزمت به وفاءً له.

لكنني، تقديرًا للرجل ورغبة في نفعه، وعدته أن أسأل عن موضوعه وأرد عليه، وعزمت على الاستعانة بأحد الإخوة الأعزاء لمعرفة الطريقة النظامية لإيصال صوته إلى المسؤول، ليطّلع على طلبه، ويكون له القرار وفق اختصاصه.

غير أن ظروفًا حالت دون وفائي بما وعدت به، حتى فوجئت برسالة يقول فيها: عز الله إنك ما وفيت في كلامك، وهذا عيب على الرجال».

ويقول صاحبي المشتكي: «يا دكتور، لقد آلمتني عبارته؛ فقد تجاوز عتابي على تأخر الرد إلى الطعن في مروءتي، وأنا لا أملك في موضوعه ناقة ولا جمل. ولا أنكر أنني وعدته بالسؤال والرد، وكان الأولى أن أبلغه بما حال دون ذلك، لكنني لم أعده بإنجاز طلبه، ولم يكن تأخري استخفافًا به أو إعراضًا عن حاجته».

استمعت إليه، وتذكرت قول بشار بن برد:

ولا بُدَّ من شكوى إلى ذي مروءةٍ
يُواسيكَ أو يُسليكَ أو يتوجَّعُ

فقد يحتاج المرء إلى من يسمعه، ويقدّر ألمه، ويعينه على احتمال كلمة أثقلت صدره. وبقي في نفسي صدى شكواه؛ فقد وجدت فيها شيئًا من تجاربي، وتذكرت مواقف قصّرنا فيها في حقوق علينا، وكان تقصيرنا من قبيل: «مُجبرٌ أخاك لا بطل». فما كل تأخر إهمال، ولا كل انقطاع جفاء، وقد تضيق بالإنسان ظروفه حتى يعجز عن أداء ما يحرص عليه من حقوق الآخرين.

وما أرفق بالنفوس هذا البيت المنسوب إلى دعبل الخزاعي:

تأنَّ ولا تعجلْ بلومِكَ صاحبًا
لعلَّ له عذرًا وأنتَ تلومُ

واستوقفني هنا المثل الشعبي: «القبيل يقبل»؛ أي إن ابن القبيلة العربية الأصيلة يقبل العذر، ويتجاوز عن الإساءة، ويصفح ويعفو، وفاءً لما نشأ عليه من مكارم الأخلاق. وهي خصال يسمو بها كل من تحلّى بها، وما أعظم الجزاء في قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِ﴾ [سورة الشورى: ٤٠].

ومن جميل ما يُنسب إلى الإمام الشافعي في قبول المعذرة:

اقبلْ معاذيرَ مَن يأتيكَ معتذرًا
إنْ برَّ عندكَ فيما قال أو فجرَا

فقد أطاعكَ مَن يُرضيكَ ظاهرُهُ
وقد أجلَّكَ مَن يعصيكَ مستترَا

فقبول العذر يحفظ للود طريق العودة، ويمنح المعتذر فرصة لتدارك تقصيره، دون أن يضطر إلى كشف كل ما يستره من ظروف.

وتذكرت كذلك قول الله تعالى: ﴿مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍۢ﴾ [سورة التوبة: ٩١]، والمثل الشعبي: «ما على الأجواد إلا جهودها»؛ فالإنسان يبذل وسعه، ولا يملك ضمان النتائج، وقد تحول الظروف بينه وبين ما يريد.

ثم قرأت للدكتور محمد بن علي العمري @M_A_Alamry نصًا وجدانيًا نشره في حسابه بمنصة «إكس» تحت عنوان «اعتراف». ولطالما رأيت في ابتسامته التي لا تفارقه صورة رجل سعيد، حتى استوقفتني، في سياق حديثه عن أعماله ومنجزاته، عبارته: «وزوَّرت مئات الابتسامات».

توقفت عندها طويلًا. كم من ابتسامة حسبناها دليل راحة، وكانت جهدًا شاقًا لإخفاء الألم! وكم من إنسان رأينا حضوره ونجاحه، فظننا أننا نعرف حياته، ولم نعرف منها إلا ما استطاع أن يظهره لنا! ولقد عبّر الشاعر عن ذلك بقوله:

ولربَّما ابتسمَ الوقورُ من الأذى
وضميرُهُ من حرِّهِ يتأوَّهُ

وازداد وقع كلمات العمري في نفسي حين قال:

«ثلاث عشرة سنة من الاغتراب النفسي، أعيشها بين الناس، ولا يعلم حقيقتها كثيرٌ ممن يوسعونني لومًا وعتابًا؛ لأنَّ أحدهم اتصل في لحظةٍ تناسبه فلم أردَّ، أو أرسل رسالةً فلم يجد جوابًا!

وما علموا أنَّني لم أكن أهرب منهم، بل كنت أهرب من نفسي، ومن أفكاري، ومن خوفٍ يسكن قلبي ولا يفارقه!

والله ما كان انشغالي عن أحدٍ استخفافًا بحقِّه، ولا إهمالًا لمودَّته، ولكنَّ للنفوس أوجاعًا لا يراها الناس، وللقلوب معارك لا يسمع أحدٌ ضجيجها!».

أعادتني هذه الكلمات إلى شكوى صاحبي، وإلى مواقف يؤلمك فيها أن تُطالب بشرح أوجاعك حتى يُقبل عذرك، وكأن خصوصية الإنسان لا تُحترم إلا بعد أن يكشف ما يستره من هموم، ويقيم الدليل على أنه متعب. فللناس ظاهر ابتسامتك، ولله خفي وجعك.

ومن أقسى ما يقع فيه بعض الناس أنهم يحاكمونك إلى صورتك في أذهانهم؛ يرون وظيفتك، أو حضورك الاجتماعي، أو ما تحقق لك من نجاح، ثم يبنون على ذلك قدرة يتصورون أنك تملكها. فإذا لم يتحقق طلبهم، سارعوا إلى اتهامك بالبخل، أو التجاهل، أو ضعف الوفاء، دون أن يسألوا عما تستطيع، أو عما حال بينك وبين ما وعدت.

ولا يعلمون الطريق الوعرة التي قطعتها، ولا الخيبات التي تحملتها، ولا الظروف التي تحيط بك وأنت تحاول أن تؤدي واجباتك، وتحفظ للناس ودّهم، وتبقي لنفسك بقية من احتمال.

والله الذي نفسي بيده، إنني أتمنى أن أستطيع تقديم كل خير يُطلب مني، وألا أتأخر عن نفع أحد. لكن للأماني حدودًا عند الاستطاعة؛ فمن المطالب ما نقدر على إنجازه، ومنها ما لا نملك فيه إلا الشفاعة الحسنة، ومنها ما لا يجوز السعي فيه أصلًا؛ لما ينطوي عليه من مخالفة أو اعتداء على حق. وحسن النية لا يمنح الإنسان صلاحية لا يملكها، ولا يجعل علاقاته سلطة على قرارات الآخرين.

وليس من الإنصاف أن تُقاس مروءة المرء بمقدار ما يحققه من رغبات الناس، أو أن يُتهم بالبخل في ماله وجاهه كلما عجز عن تلبية طلب؛ فقد يبذل ما يستطيع ولا يبلغ المراد، وقد يتأخر وهو حريص، وقد يصمت لأن ما يحمله أثقل من قدرته على الشرح.

وإذا استقصينا على الناس هفواتهم، وضاقت صدورنا بكل تقصير، فلن يبقى للصحبة صفاؤها، ولا للمودة دوامها. يقول بشار بن برد:

إذا كنتَ في كلِّ الأمور معاتبًا
صديقَكَ لم تلقَ الذي لا تعاتبُهْ

إذا أنتَ لم تشربْ مرارًا على القذى
ظمئتَ وأيُّ الناس تصفو مشارِبُهْ

وعلى امتداد نصف قرن من الحياة، وجدت أن من أشد ما يؤلم النفس أن يُساء تفسير حرصها، وأن تُقابل محاولتها للنفع باتهام قاسٍ. ومع ذلك، فإن إنصافي لنفسي يقتضي ألا أعمم ما آلمني على الناس جميعًا؛ ففيهم من يلتمس العذر، ويحفظ الود، ويشكر المحاولة وإن لم تثمر، ويعرف أن وراء كل وجه حياة لا يراها.

ومن مكارم الأخلاق ألا تدفعنا قسوة العتاب إلى قسوة الجواب، وأن نملك أنفسنا حين تستفزنا الكلمات. ومما يُنسب إلى الإمام الشافعي:

يُخاطبُني السفيهُ بكلِّ قُبحٍ
فأكرهُ أن أكونَ له مُجيبَا

يزيدُ سفاهةً فأزيدُ حِلمًا
كعودٍ زادَهُ الإحراقُ طِيبَا

وإنما أستحضر من البيتين معنى الحلم والترفع عن رد الإساءة بمثلها؛ فالمتألم قد يقسو في عبارته، والحليم يستطيع أن يوقف امتداد الأذى عند نفسه، فلا يرده أذى جديدًا.

فلنرفق ببعضنا، ولنسأل قبل أن نتهم، ولنعاتب بما يحفظ الكرامة، ولنترك في أحكامنا موضعًا لظرف نجهله، ووجع لم نسمع به. ومن وعد فليجتهد في الوفاء، فإن تعذر عليه فليعتذر؛ ومن انتظر فليحفظ لصاحبه حقه في العجز، وحقه في أن تكون له حياة لا يعرف تفاصيلها.

أما أنا، فسأبقى أرجو أن أكون نافعًا ما استطعت، وأعتذر حين أقصّر، وأصفح حين يُساء إليّ؛ فليس كل ما أتمناه أقدر عليه، وليس كل ما يؤلمني أستطيع البوح به.

وما على الأجواد إلا جهودها.

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى