كتاب الرأي

صديقك من صدَقك، لا من صدّقك

    ✍️منصور الزهراني – كاتب سعودي :

قبل أيام استشرت صديقاً مقرباً مني في مشروع تجاري كنت أنوي التوسع فيه مطلع العام القادم. كانت الخطة جاهزة، والميزانية محددة، وخطوات التنفيذ واضحة، وكنت أعتقد أنني درست الموضوع من كل الجوانب.

سمعني صديقي، ثم لفت نظري إلى نقطة صغيرة لم أكن أهتم بها كثيراً، لأنني كنت أرى أن احتمال حدوثها ضعيف ولا يستحق التفكير. لكنه كان يرى شيئاً آخر، وتوقف عند أمر تجاوزته بسرعة. لم يجاملني، ولم يكتفِ بموافقتي، بل قال ما يراه حقاً، حتى لو كان مخالفاً لما أحب سماعه.

بعدها أعدت التفكير، وأدركت أن قيمة نصيحته لم تكن في حجم الملاحظة، بل في حرصه على أن ينبهني إلى ما غاب عني.

تأملت الموقف، ووجدت نفسي أفكر في معنى الصداقة. نحن غالباً نرتاح لمن يوافقنا، ونميل إلى من يؤيد أفكارنا ويشجع خطواتنا، وربما نخلط أحياناً بين الصديق الذي يرضينا والصديق الذي يحرص علينا.

ليس صعباً أن تجد من يصفق لقراراتك، أو يشاركك الحماس، أو يقول لك إنك تسير في الطريق الصحيح. لكن الأصعب أن تجد من يوقفك عند نقطة لم تنتبه إليها، ويقول لك بهدوء: تمهل، هناك أمر لم تحسب حسابه.

الصديق الحقيقي لا يبحث عن مخالفتك، ولا يتخذ من الموافقة وسيلة لإرضائك. هو يقول ما يعتقد أنه الصواب، لا ما نحب سماعه، ويصارحك برأيه حتى لو لم يعجبك في البداية.

وربما لا ندرك قيمة بعض النصائح إلا بعد مرور الوقت، حين نكتشف أن أمراً كنا نراه صغيراً كان يستحق الانتباه، وأن كلمة قيلت في وقتها ربما جنّبتنا الكثير.

لا أعتقد أن الصداقة تُقاس بعدد السنوات، ولا بكثرة اللقاءات، ولا حتى بمقدار الاتفاق بين الأصدقاء. أحياناً موقف واحد يختصر سنوات من المعرفة، وكلمة صادقة تكشف لك قيمة إنسان في حياتك.

صديقك من صدَقك لا من صدّقك. فليس كل من وافقك حريصاً عليك، وليس كل من خالفك يريد لك السوء. بعض الاختلاف محبة، وبعض المجاملة لا تتجاوز كونها مجاملة.

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى