كتاب الرأي

التواضع

           ✍️سمسمه السعيد – الطائف :

ليس التواضع أن تنحني لتكسب رضا الآخرين ولا أن تتنازل عن كرامتك لتبدو طيبا في أعينهم بل أن تمتلك من عزة النفس ما يجعلك واثقا بقيمتك ومن سمو الأخلاق ما يمنعك من التعالي على غيرك فالتواضع الحقيقي ليس غياب الشعور بالانتماء أو بالعظمة بل القدرة على امتلاك أسبابها دون أن تتحول إلى إنسان مغرور أو متعالي على الآخرين ٠

هناك فرق شاسع بين إنسان ارتفعت مكانته فارتفع معها غروره وإنسان ارتفعت مكانته فازداد أدبا واتزانا فالأول تكشفه النعمة حين تمنحه القوة والثاني تكشفه النعمة حين تزيده إنسانية ونبلا وليس أصعب على النفس من أن تمتلك القدرة على التعالي ثم تختار التواضع وأن تكون في موضع يسمح لك بأن تأمر ثم تختار أن تحترم وأن تستطيع أن تنتقص من الآخرين ثم تترفع عن ذلك لأن أخلاقك أكبر من رغبتك في الانتصار لنفسك من أجل الاخرين

التواضع ليس كلمات تقال في المجالس ولا مظهرا يتخذه الإنسان ليحظى بإعجاب الناس بل هو حقيقة داخلية تظهر حين تتعارض المصلحة مع المبدأ وحين تختلف مع من أمامك وحين تجلس مع إنسان لا يملك لك نفعا وحين تصل إلى مكانة كنت تحلم بها يوما ثم تكتشف أنك لم تصبح أفضل من الآخرين لمجرد أنك سبقتهم في طريق من طرق الحياة

إن عظمة الإنسان لا تكمن في قدرته على جعل الآخرين يشعرون بصغرهم بل في قدرته على إشعارهم بقيمتهم دون أن ينتقص ذلك من قيمته فكم من صاحب منصب فقد احترام الناس بسبب تكبره وكم من إنسان بسيط لا يملك من الدنيا إلا القليل لكنه امتلك قلوبا لا تستطيع المناصب شراءها ولا الأموال امتلاكها لأن الرفعة الحقيقية لا تصنعها السلطة وإنما تصنعها الأخلاق٠

ومن أعظم مظاهر التواضع أن تعترف بأنك لا تعرف كل شيء وأن تتقبل أن الحقيقة قد تأتيك على لسان من هو أقل منك خبرة وأن تعتذر حين تخطئ دون أن تبحث عن مبررات وأن تنصف من يخالفك حتى وإن لم توافقه وأن تفرح لنجاح غيرك دون أن تشعر بأن نجاحه ينتقص من نجاحك فالنفس الناضجة لا ترى في الاعتذار إهانة ولا في الاعتراف بالخطأ هزيمة ولا في احترام الآخرين تنازلا عن مكانتها٠

أما الغرور فهو فقر خفي يتستر خلف المظاهر فالمتكبر يحتاج باستمرار إلى من يصفق له ويؤكد له تفوقه لأنه لم يتعلم كيف يستمد قيمته من داخله ولذلك يرفع نفسه بانتقاص الآخرين ويظن أن إظهار القوة يكون بإذلال من حوله وأن احترامه يتحقق بالخوف منه لكنه ينسى أن الخوف قد يصنع الطاعة أما المحبة فلا يصنعها إلا حسن الخلق٠

وليس التواضع أن تسمح لأحد بأن يهينك أو يتجاوز حدودك أو يسلبك حقك فهناك فرق بين التواضع ومهانة النفس وبين التسامح والعجز وبين لين الجانب وضعف الشخصية فالإنسان الراقي يحفظ كرامته دون تجبر ويدافع عن حقه دون إساءة ويضع الحدود دون أن يفقد احترامه للآخرين لأن الأخلاق لا تعني أن تتخلى عن قوتك بل أن تعرف كيف تستخدمها٠

وتأمل أحوال الحياة تجد أن كل ما يتباهى به الإنسان قابل للزوال فالمال قد ينفد والمنصب قد ينتهي والقوة قد تضعف والجمال قد يتغير والعلم مهما اتسع تبقى أمامه آفاق لا تنتهي ولذلك لا يليق بالعاقل أن يجعل من نعمة مؤقتة سببا للتكبر على خلق الله ولا أن يتعامل مع الناس وكأنه يملك ضمانا أبديا لمكانته فالأيام لا تستأذن أحدا حين تغير الأحوال

إن المتواضع يعرف أن لكل إنسان قصة لا يعرف تفاصيلها وأن وراء كل وجه معركة قد لا يراها أحد ولذلك لا يتعجل الحكم ولا يسخر من ضعف ولا يحتقر فقرا ولا يستهين بجهل بل يعامل الناس بإنسانية ويدرك أن التفاضل الحقيقي لا يكون بالمظاهر ولا بالألقاب وإنما بما تحمله النفوس من صدق وإخلاص ونبل٠

وما أعظم أن يجتمع في الإنسان علو الهمة وتواضع النفس وقوة الشخصية ورقة القلب وسعة العلم وحسن الاستماع وأن يكون قادرا على القيادة دون استبداد وعلى النجاح دون غرور وعلى الاختلاف دون إساءة وعلى الانتصار دون شماتة فهذه هي الشخصية التي لا تحتاج إلى أن تعلن عظمتها لأن سلوكها يتحدث عنها

إن التواضع لا يجعل الإنسان أقل حضورا بل يمنحه حضورا لا ينسى ولا يجعله أقل شأنا بل يرفع قدره في النفوس ولا ينتزع منه الهيبة بل يمنحه هيبة قائمة على الاحترام لا على الخوف فالناس قد ينسون ما قلت لهم وقد ينسون ما قدمت لهم لكنهم نادرا ما ينسون كيف جعلتهم يشعرون بقيمتهم في حضورك٠

وفي ختام الأمر تذكر أن الإنسان لا يصبح عظيما حين يرى نفسه فوق الآخرين بل حين يدرك أن عظمته الحقيقية تكمن في ألا يتعالى عليهم وأن الرفعة ليست أن تطأ برأسك على من هم دونك بل أن ترفع أخلاقك فوق كل ما يدعوك إلى الغرور

كن كبيرا دون أن تصغر أحدا وناجحا دون أن تتعالى على أحد وقويا دون أن تظلم أحدا فالتواضع ليس أن تنزل من مكانتك إلى الناس بل أن ترتقي بأخلاقك حتى لا يشعر أحد بصغره إلى جوارك العقلي ٠

فما أكثر من ارتفعت مناصبهم وما أقل من ارتفعت أخلاقهم وما أكثر من امتلكوا الدنيا وما أقل من امتلكوا نفوسهم والعظمة كل العظمة أن تملك من أسباب التفوق ما يكفي لتتكبر ثم تختار أن تكون متواضعا لأنك تعلم أن قيمة الإنسان ليست فيما يعلو به على الناس بل فيما يسمو به عن الغرور٠

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى