سلاح الدعاء وجهاد الكلمة.. تلاحم المجتمع وصموده في مواجهة ميليشيا الحوثي

✍️أ. د. محمد شايع الشايع – كاتب وأكاديمي بجامعة الملك سعود :
تخوض المملكة العربية السعودية، إلى جانب الأشقاء في اليمن، تحدياً أمنياً وإنسانياً معقداً، فرضته ممارسات ميليشيا الحوثي وتفردها بالقرار، وما ترتب على ذلك من إطالة أمد الحرب وتعميق معاناة الشعب اليمني الشقيق. ولم يعد خطر هذه الميليشيا محصوراً في الداخل اليمني، بل امتد ليشكل تهديداً لأمن المنطقة واستقرارها، واستهدافاً للمملكة بالصواريخ والطائرات المسيرة، وترويعاً للآمنين وتهديداً للمقدسات والمصالح الحيوية. وفي مثل هذه الظروف تتجلى معاني الانتماء الحقيقي في تلاحم المواطن والمقيم واستشعارهم للمسؤولية كلٌّ من موقعه. فحماية الوطن ليست مسؤولية المؤسسات العسكرية والأمنية وحدها، بل مسؤولية وطنية مشتركة تتكامل فيها الجهود الرسمية والمجتمعية، ويجتمع فيها صدق الإيمان مع الوعي والعمل والتضحية.
ويأتي يوم الجمعة بما يحمله من مكانة إيمانية عظيمة، ليجدد في نفوسنا الايمانية معاني الدعاء والتضرع إلى الله، واستحضار نعمة الأمن والأمان. ففي ساعة الإجابة تتوجه القلوب إلى الله بأن يحفظ ولاة أمرنا، ويوفقهم ويسدد خطاهم، ويحفظ أبناءنا وبناتنا في القوات المسلحة والقطاعات الأمنية وجميع مؤسسات الوطن، وأن يسدد جهودهم في حماية البلاد وخدمة المجتمع، وأن يحفظ المرابطين على الحدود ويثبت أقدامهم ويكتب لهم السلامة والتوفيق.
غير أن التماس إجابة الدعاء لا ينفصل عن صلاح العمل وحسن التعامل مع الناس، فالتآخي والتسامح والتصدق والتلطف وجبر الخواطر وإصلاح ذات البين معانٍ إيمانية تعزز صفاء النفوس وتجمع القلوب. فالمجتمع المتراحم الذي يتجاوز خلافاته ويتسابق إلى فعل الخير ومساعدة المحتاج هو مجتمع أكثر تماسكاً وقدرة على مواجهة المحن. ومن أجمل صور الوفاء للوطن أن ندعو له ونعمل من أجله، وأن نحمل الخير لبعضنا بعضاً، ونقدم المصلحة العامة على المصالح الشخصية.
والتضحية من أجل الوطن لا تقتصر على ميادين المواجهة، بل تشمل كل من يؤدي واجبه بإخلاص وأمانة. فالجندي يحمي الحدود، والطبيب يحفظ الأرواح، والمعلم يبني وعي الأجيال، والمهندس يسهم في التنمية، والإعلامي يحمي الحقيقة، والباحث يوظف علمه لخدمة المجتمع، والموظف يؤدي مسؤولياته بإتقان. وهكذا يصبح كل فرد شريكاً في حماية الوطن وفق تخصصه وقدراته وموقعه. فإتقان العمل والقيام بالواجب والتفاني فيه صور حقيقية من صور التضحية والانتماء.
وفي زمن تتسارع فيه المعلومات وتتعدد فيه حملات التضليل، تبرز مسؤولية الكلمة في حماية الجبهة الداخلية. فالمواطن الواعي يتثبت من الأخبار ويرجع إلى المصادر الرسمية، ولا يسهم في نشر الشائعات والأراجيف المغرضة التي تستهدف أمن البلاد أو معنويات المجتمع. كما أن الذود عن الأعراض وصون كرامة الناس وحماية سمعتهم من الافتراء والتشهير مسؤولية دينية وأخلاقية ووطنية. فالكلمة أمانة، ومن واجب الجميع مواجهة التضليل بالحقيقة، وتعزيز الثقة والتلاحم، والابتعاد عن كل ما يثير الفرقة أو يضعف وحدة المجتمع.
إن صمود الوطن لا تصنعه القوة العسكرية وحدها، بل تسنده وحدة المجتمع وصدق الإيمان والتراحم بين أفراده والتضحية في أداء الواجب والعمل المتقن كلٌّ في مجال تخصصه. وحين تجتمع هذه القيم يصبح التلاحم الوطني ممارسة يومية لا مجرد شعارات ترفع في أوقات الأزمات.
نسأل الله أن يحفظ المملكة العربية السعودية وولاة أمرها، وأن يديم عليها نعمة الأمن والاستقرار، وأن يحفظ أبناءنا وبناتنا في القوات المسلحة والقطاعات الأمنية وجميع مؤسسات الوطن، وأن يسدد جهودهم، ويحمي أعراض المسلمين وكرامتهم، ويرد كيد المعتدين، ويجنب اليمن وأهله وبلادنا وبلاد المسلمين الفتن والاضطرابات، وأن يعيد لليمن أمنه واستقراره ووحدته.
قال تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
للتواصل : [email protected]



