المركز الوطني لتنمية الغطاء النباتي.. قيادة نوعية وشراكة تصنع الأثر

✍️أ. د. محمد شايع الشايع – كاتب وأكاديمي بجامعة الملك سعود :
يولي سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، قائد مبادرة السعودية الخضراء، اهتماما بتعزيز جودة الحياة ومعالجة التحديات التي تعترض مسارات التنمية، في إطار رؤية المملكة 2030. ولا تقاس آثار هذا التحول بما تراه العين المجردة من مشروعات أو مساحات خضراء فحسب، بل بما تضيفه الأشجار والنباتات إلى المشهد الطبيعي، وما تحققه من توازن بيئي، وما توفره من موارد، وما تتركه من أثر في حياة الإنسان واقتصاد المجتمع.
ومن هذا المنطلق، تبرز مسؤولية المركز الوطني لتنمية الغطاء النباتي ومكافحة التصحر في حماية الموارد الطبيعية وتنميتها، واستعادة الأراضي المتدهورة، وإدارة المراعي الطبيعية، والمحافظة على الغابات والمتنزهات الوطنية. وتتجاوز هذه المسؤولية تنفيذ المشروعات الميدانية إلى تطوير الخطط والسياسات التي تنظم إدارة الموارد، وإشراك المجتمعات المحلية في تحديد الأولويات وصياغة المبادرات، بما يراعي احتياجاتها ويعزز دورها في حماية البيئة.
وفي ظل هذا التوجه، تتجلى أهمية القيادة المؤسسية التي تجمع بين الخبرة الإدارية والمعرفة العلمية والتخصص الميداني. يقود المركز الرئيس التنفيذي المهندس أحمد بن صالح العيادة، بما يمتلكه من خبرة إدارية اكتسبها من عمله وكيلا للوزارة، وعضويته في مجالس إدارات العديد من القطاعات والمؤسسات، إلى جانب خبرة طويلة في إدارة الموارد الطبيعية وتنمية ثروات الوطن. وإلى جانبه، يبرز الدكتور سعود الرويلي، نائب الرئيس، بما يمتلكه من خلفية أكاديمية وخبرة تخصصية في إدارة المراعي الطبيعية، إلى جانب تجربته البرلمانية عضوا في مجلس الشورى. ويشكل تكامل الخبرات الإدارية والعلمية قاعدة مهمة لتطوير العمل وتحسين جودة القرارات وكفاءة التنفيذ.
ويعكف فريق العمل في المركز على تقييم الأداء ومراجعة الجوانب التي تحتاج إلى تطوير، ومعالجة أوجه القصور، بما يعزز المهنية ويرتقي بجودة المخرجات ويخدم مستهدفات مبادرة السعودية الخضراء. وتتوزع هذه الجهود على فروع المركز في مختلف مناطق المملكة، حيث تتميز كل منطقة بخصائص بيئية ونباتية تستدعي برامج تتناسب مع طبيعتها واحتياجاتها. ويسهم هذا النهج في تنمية الغطاء النباتي وتأهيل المواقع الطبيعية وتطوير المتنزهات الوطنية، بما يعزز فرص السياحة البيئية ويرتقي بجودة الحياة.
وتتطلب هذه المهام فهما علميا لطبيعة النظم البيئية، واختيار النباتات الملائمة، ومراعاة موارد المياه وخصائص التربة، وتقييم حالة المراعي وقدرتها على التجدد. كما تستدعي مكافحة التصحر رصدا مستمرا للأراضي المتدهورة، وتحديد أولويات التأهيل، والاستفادة من البحث العلمي والبيانات الجيومكانية في توجيه المشروعات. فنجاح التشجير لا يقاس بعدد الشتلات التي تغرس، بل بمعدلات بقائها ونموها وقدرتها على أداء وظائفها البيئية. وكذلك فإن إدارة المراعي لا تقتصر على تنظيم الانتفاع بها، بل تحتاج إلى فهم أنماط الرعي والضغوط التي تتعرض لها النباتات، وإشراك الرعاة في تطوير الحلول المناسبة لواقعهم المحلي.
ومن المهم أن يقاس نجاح المركز بقدرته على توسيع نطاق المشاركة وتعظيم الأثر، إلى جانب إنجاز المشروعات. فالتعاون مع الجامعات والقطاع الخاص والجمعيات غير الربحية يتيح توظيف الخبرات العلمية والإمكانات المادية والقدرات التطوعية في خدمة الأهداف البيئية. ويمكن للجمعيات أن تؤدي دورا فاعلا في التوعية، وتنظيم حملات التشجير وفق المعايير العلمية، وتأهيل المتطوعين، والعناية بالمواقع الطبيعية. كما أن توفير فرص منظمة للتطوع، بإشراف فني واضح واشتراطات للسلامة، يتيح للشباب وأفراد المجتمع الإسهام في حماية الموارد الوطنية.
وفي هذا السياق، يمكن بحث الاستفادة من منصة إحسان لدعم المبادرات البيئية المؤهلة، بالتنسيق مع الجهات المختصة ووفق الضوابط المعتمدة. وقد يشمل ذلك مشروعات محددة لإعادة تأهيل المواقع المتدهورة، أو تنمية المشاتل المحلية، أو تنفيذ برامج للتوعية البيئية. وتزداد فاعلية هذه المبادرات حين تكون أهدافها واضحة، وآليات الإنفاق فيها شفافة، ونتائجها قابلة للقياس.
وتحظى المجتمعات المحلية بأهمية خاصة، ولا سيما الرعاة والمزارعون الذين ترتبط أنشطتهم اليومية بالأراضي الطبيعية. فمعرفتهم بالمواقع ومواردها وتغيراتها تمثل مصدرا مهما للمعلومات عند إعداد الخطط وإدارة المراعي. كما أن مراعاة احتياجاتهم الاقتصادية والاجتماعية تساعد على بناء حلول عملية قابلة للتطبيق، وتفتح المجال أمام فرص تنموية مرتبطة بالسياحة البيئية والمنتجات المحلية والمبادرات الريفية، من دون الإضرار بالموارد التي تقوم عليها هذه الأنشطة.
ولضمان فاعلية البرامج، ينبغي أن تتجاوز مؤشرات الأداء أعداد الأشجار والمشروعات المنفذة إلى معدلات بقاء النباتات، وتحسن حالة الأراضي والمراعي، واستعادة المواقع المتدهورة لوظائفها البيئية، ومستوى المشاركة المجتمعية، والعوائد الاقتصادية المتحققة. وتوفر هذه المؤشرات أساسا موضوعيا لمراجعة الخطط وتطويرها، وتساعد على توجيه الموارد نحو البرامج الأكثر أثرا.
إن مستقبل الغطاء النباتي في المملكة يتطلب قيادة متخصصة، وإدارة مهنية، وقرارات تستند إلى العلم، وتعاونا منظما بين المؤسسات والمجتمعات المحلية. وتبرز أهمية المركز في تحويل هذه العناصر إلى نتائج ملموسة تحمي الموارد الطبيعية، وتدعم التنمية في مناطق المملكة، وتسهم في تحقيق مستهدفات السعودية الخضراء. فحماية الأرض مسؤولية وطنية تتطلب وعيا ومشاركة وعملا متقنا يحفظ ثروات الوطن للأجيال القادمة.
للتواصل : [email protected]



