الحنين إلى الصحف الورقية

✍️ م. ماجد ابوزاهرة – كاتب سعودي :
شدني الحنين إلى زمن الصحف الورقية إلى تلك الصفحات التي كانت تصلنا محملة بأخبار اليوم ورائحة الحبر وصوت الورق وهو يقلب بين الأصابع … حنين لا يتعلق بمجرد وسيلة لنقل الأخبار بل بفترة من حياتنا كانت للصحيفة (الجريدة كما كنا نسميها) فيها مكانة خاصة وللقراءة طقوسها التي لا تشبه ما نعيشه اليوم.
أتذكر كيف كانت الصحيفة جزءا من تفاصيل الصباح نبحث عنها في البقالة و السوبرماركت أو ننتظر وصولها إلى المكتب ثم نفتح صفحاتها على مهل نتنقل بين الأخبار المحلية والعالمية ونقف عند المقالات التي تستوقفنا ونقرأ ما يهمنا دون أن تقاطعنا إشعارات الهاتف أو تتزاحم أمام أعيننا العناوين المتلاحقة.
كانت للصحيفة الورقية مساحة تمنح القارئ فرصة للتأمل لم تكن الأخبار تمر أمامه في ثواني بل كانت تستقر بين يديه وتدعوه إلى التوقف والقراءة والتفكير وربما كان من أجمل ما فيها أن القارئ لم يكن يكتفي بمعرفة ما حدث بل كان يكتشف أحيانًا موضوعات لم يبحث عنها ويفتح صفحة لم يكن ينوي قراءتها فيجد فيها فكرة جديدة أو قصة تستحق الاهتمام وكانت الصحف في نظري أكثر من صفحات مطبوعة فقد شكلت ذاكرة يومية للمجتمع ووثقت تحولات المدن والناس وسجلت مراحل من تاريخنا الاجتماعي والثقافي والعلمي وما زالت أعدادها القديمة التي احتفظ بها ( عكاظ والمدينة وغيرها التي نشرت المعلومات الفلكية) تحمل قيمة تتجاوز تاريخ نشرها لأنها تحفظ تفاصيل قد لا نجدها بسهولة في ذاكرة الأجيال أو في المحتوى الرقمي المتناثر.
لكن الزمن تغير وتغيرت معه عادات القراءة جاءت المواقع الإخبارية ثم الهواتف الذكية وأصبحت الأخبار تصل إلينا لحظة وقوعها من مصادر متعددة وفي أي مكان ولم نعد مضطرين إلى انتظار صباح اليوم التالي لنعرف ما حدث ولم تعد الصحيفة الورقية هي النافذة الوحيدة التي نطل منها على العالم.
لا يمكن إنكار مزايا هذا التحول فالوصول إلى المعلومات أصبح أسرع وأسهل واتسعت مساحة النشر وأصبح القارئ قادراً على متابعة الأحداث من مصادر مختلفة غير أن السرعة على أهميتها لا تعني دائماً أننا نقرأ أكثر أو نفهم بصورة أعمق فكثرة الأخبار وتدفقها المستمر قد يجعلاننا ننتقل من عنوان إلى آخر دون أن نمنح أي موضوع الوقت الكافي لفهمه وهنا يكمن الفرق الذي أشعر به كلما عدت بذاكرتي إلى الصحف الورقية لم يكن الأمر متعلقاً بالورق وحده بل بطريقة تعاملنا مع المعرفة كنا نخصص وقتًا للقراءة أما اليوم فكثيراً ما نحاول اختطاف دقائق منها وسط انشغالاتنا.
كنا نذهب إلى الخبر أما الآن فالخبر يلاحقنا أينما ذهبنا ومع ذلك لا أرى أن الحنين إلى الصحافة الورقية ينبغي أن يتحول إلى رفض للتطور الرقمي أو إلى اعتقاد بأن الماضي كان أفضل في كل شيء فلكل عصر أدواته ولكل وسيلة مزاياها وتحدياتها لكن من حقنا أن نتساءل: هل يمكن أن نحافظ على شيء من هدوء القراءة القديمة في زمن السرعة؟ وهل تستطيع الصحافة أن تستعيد جزءاً من علاقتها ال عميقة بالقارئ، سواء جاءت مطبوعة على الورق أم ظهرت على شاشة؟
ربما لا نحتاج إلى عودة الزمن بقدر ما نحتاج إلى استعادة عادات فقدنا بعضها أن نقرأ مقالًا كاملًا بدل الاكتفاء بعنوان وأن نتوقف عند معلومة قبل مشاركتها وأن نمنح الأفكار فرصة للنضج بدل الانتقال السريع من موضوع إلى آخر. أما الصحيفة الورقية فستظل بالنسبة إلي أكثر من منتج إعلامي إنها جزء من ذاكرة جيل عاش تحولا كبيراً في وسائل المعرفة والاتصال وقد لا تعود إلى المكانة التي احتلتها يوماً لكن قيمتها لا خ فقط بعدد النسخ المطبوعة أو بحجم انتشارها بل بما تركته من أثر في قرائها وبما حفظته من ذاكرة المجتمع.
لقد شدني الحنين إليها فوجدتني لا أشتاق إلى الورق وحده بل إلى تلك اللحظات التي كنا نمنح فيها القراءة وقتها ونمنح المعرفة شيئاً من هدوئنا وربما كان أجمل ما يمكن أن نستعيده من الصحف القديمة ليس رائحة الحبر بل متعة أن نجلس مع فكرة ونقرأها حتى النهاية فبعض الأشياء لا نفتقدها لأنها اختفت من حياتنا بل لأننا نفتقد معها شيئاً من أنفسنا كما كنا.



