العقل الهندسي… بوابة الحكمة والمعرفة

✍️ ع.م. ندى عزيز الخمعلي – كاتب سعودي :
يقول أفلاطون، في مقولة تُنسب إليه: «من لم يكن مهندساً فلا يدخل دارنا»، وهي عبارة تحمل في مضمونها دلالات عميقة تتجاوز علم الهندسة بمعناه المتخصص، لتصل إلى جوهر التفكير المنطقي، وأهمية العقل المنظم في فهم الحياة والوصول إلى الحقيقة.
فالهندسة ليست مجرد أرقام وأشكال ومعادلات، بل هي منهج في التفكير، يقوم على الدقة والتحليل والاستنتاج، ويعلّم الإنسان أن لكل نتيجة مقدمات، ولكل قرار تبعات، وأن الوصول إلى الحقيقة لا يكون بالتخمين أو الانطباعات العابرة، بل بالفهم والبرهان وإعمال العقل.
ولعل الرسالة الأعمق في هذه المقولة أن الإنسان يحتاج إلى عقل هندسي في مختلف جوانب حياته، سواء في الإدارة أو السياسة أو الاقتصاد أو العلاقات الإنسانية؛ فالقائد الناجح هو من يحسن قراءة المعطيات، ويوازن بين الخيارات، ويستشرف النتائج قبل اتخاذ القرار، كما أن الإنسان الحكيم هو من لا يتسرع في إصدار الأحكام، ولا يسمح للعاطفة بأن تحجب عنه الحقائق.
وفي زمن تتسارع فيه المعلومات، وتتعدد فيه الآراء، وتنتشر فيه الشائعات، أصبح التفكير المنطقي ضرورة لا ترفاً، وأصبح التمييز بين الحقيقة والوهم، وبين الدليل والادعاء، من أهم أدوات الوعي. فليس كل ما يُقال حقيقة، وليس كل ما يُتداول يستحق التصديق، وليست كثرة الأصوات دليلاً على صحة الرأي.
ومن المؤسف أن بعض الناس يمتلكون الشهادات العلمية، لكنهم يفتقدون القدرة على التحليل والحوار واحترام الاختلاف، في حين نجد أشخاصاً لم يتخصصوا في العلوم الهندسية، لكنهم يمتلكون عقولاً منظمة، وحكمة في التعامل مع المواقف، وقدرة على اتخاذ القرارات الصائبة.
إن قيمة الإنسان لا تُقاس بلقبه العلمي وحده، بل بقدرته على توظيف معرفته، وحسن استخدام عقله، واستعداده لمراجعة أفكاره عندما تظهر الحقائق. فالعلم الذي لا يقود إلى الحكمة يبقى معرفة ناقصة، والعقل الذي لا يتحرى الدليل قد يصبح أسير الأوهام والانحيازات.
وفي الختام، سواء صحت نسبة هذه العبارة إلى أفلاطون بهذا اللفظ أم لم تصح، فإن معناها يفتح باباً واسعاً للتأمل في قيمة العقل والمنطق. فالمجتمعات لا تنهض بالشهادات وحدها، بل بالعقول التي تفكر، والنفوس التي تتعلم، والقيادات التي تحسن التقدير، والأفراد الذين يجعلون من المعرفة وسيلة للبناء لا أداة للتفاخر.
فليس المطلوب أن يكون كل إنسان مهندساً، بل أن يمتلك منطق المهندس، ودقة العالم، وحكمة الإنسان؛ فبالعقل تُبنى الحضارات، وبالوعي تُصان المكتسبات، وبالحكمة تُصنع القرارات.
للتواصل : [email protected]



