«السماحة.. حين يطيب بالإنسان عيش من حوله»

✍️ أروى بنت مسلط العتيبي – كاتبة سعودية :
في زحام الحياة وهمومها لا نطيق أن نلتقي بمن يعسر علينا عيشنا ويثقل أيامنا فما أجمل أن نلتقي بالهين اللين السمح الذي ييسر لنا الأمور ويجعل من حضوره غيمة تهطل على أرواحنا فتغمرها ببساتين البهجة والطمأنينة وكأن لقاءه واحة تستريح عندها أنفسنا وتطمئن أرواحنا من صخب الحياة ومشقتها
من جميل ما جاء به الإسلام أنه لم يجعل العبادة محصورة في الشعائر وحدها بل جعل لحسن الخلق مكانة عظيمة في حياة المسلم وعلاقته بمن حوله فالكلمة الطيبة والرفق في المعاملة والتيسير على الناس والتجاوز عن زلاتهم وجوه من الإحسان الذي تظهر به حقيقة الأخلاق الإسلامية
ومن الأخلاق التي يطيب بها العيش وتستقيم بها العلاقات خلق السماحة ذلك الخلق الذي يجعل صاحبه قريبًا من النفوس خفيفًا على القلوب لما يجد الناس في التعامل معه من يسر ولين وسعة صدر فلا يحمل المواقف أكثر مما تحتمل ولا يقابل كل تقصير بعتاب ولا كل خطأ بجفاء
وقد بين النبي ﷺ فضل هذا الخلق فقال
«ألا أخبركم بمن يحرم على النار أو بمن تحرم عليه النار؟ على كل قريب هين سهل»
فاللين وسهولة المعاملة والقرب من الناس ليست مجرد خصال محمودة بل أخلاق حث عليها الإسلام لما تحمله من معاني الرحمة وحسن المعاملة وقد قال رسول الله ﷺ
«إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه»
فالرفق لا يقتصر على أسلوب الحديث بل يظهر في معالجة المواقف والاختلاف مع الآخرين والقدرة على حفظ الحقوق مع حسن المعاملة
والسماحة سعة في النفس تظهر في تفاصيل الحياة اليومية في تقبل العذر والتغاضي عن الهفوات والتيسير حين يكون ممكنًا واختيار الكلمة التي تصلح بدلًا من تلك التي تزيد الأمور تعقيدًا وهي أن يراعي الإنسان أحوال من حوله وظروفهم فلا يطلب من كل إنسان الكمال ولا ينتظر من العلاقات أن تخلو من التقصير والاختلاف
ولعل أكثر الناس أثرًا في حياتنا أولئك الذين نشعر معهم بالأمان فلا نتردد في السؤال خشية الإحراج ولا نشعر بالضيق حين نعتذر ولا نخاف أن تتحول زلتنا إلى حكاية تتكرر فالإنسان الهين اللين يمنح من حوله شعورًا بالطمأنينة ويجعل التعامل معه مساحة يسهل فيها التفاهم وتحفظ فيها المودة حتى عند الاختلاف
ويمتد أثر السماحة إلى البيوت ومجالس الأصدقاء وبيئات العمل فالوالد الرفيق بأبنائه يفتح لهم باب الحديث والمصارحة والمسؤول الذي ييسر على من يعملون معه يعينهم على الإنجاز ويمنحهم الثقة والإنسان الذي يحسن التعامل مع أخطاء الآخرين يسهم في خلق بيئة أكثر راحة وتعاونًا
وفي المقابل يجعل التعسير الأمور الصغيرة أثقل مما ينبغي فكم من علاقة ضاق فيها الود بسبب كلمة قاسية وكم من موقف كان يمكن أن ينتهي باعتذار بسيط لكنه امتد بسبب الإصرار على اللوم وكم من إنسان أحجم عن المبادرة لأنه لم يجد ما يشجعه على العودة
ومن هنا يأتي التوجيه النبوي الذي يرسم للمسلم منهجًا في التعامل مع الناس فقال رسول الله ﷺ
«يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا»
فالتيسير مراعاة لأحوال الناس وحرص على ألا تتحول المعاملة إلى مصدر للمشقة والنفور وأن يختار الإنسان من السبل ما يحقق الغاية دون تعقيد ويجعل من حسن تعامله عونًا للآخرين لا عبئًا عليهم
وقد تجلت السماحة في أدق المعاملات اليومية فقال رسول الله ﷺ
«رحم الله رجلًا سمحًا إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى»
فالسماحة لا تقتصر على العلاقات الودية بل تظهر في البيع والشراء والمطالبة بالحقوق وسائر التعاملات اليومية وفي ذلك دلالة على أن حسن الخلق لا يتجزأ وأن المرء يستطيع أن يتعبد إلى الله بحسن معاملته وتيسيره على الآخرين دون أن يفرط في حقه
وليس معنى السماحة أن يتنازل المرء عن حقوقه أو يقبل الظلم فالحزم لا يناقض الرفق وإنما تظهر السماحة في أن يعرف الإنسان كيف يطالب بحقه دون إساءة وكيف يرفض دون تجريح وكيف يضع حدًا لما لا يقبله دون أن يحول الخلاف إلى خصومة تتجاوز حدود الموقف كما لا تعني أن يتكلف الإنسان في لطفه أو يمنح الآخرين ما لا يستطيع بل أن تكون معاملته قائمة على الرحمة والإنصاف والتيسير حيث يصح
ومن المعاني التي تستحق التأمل أن أثر الإنسان لا يقاس دائمًا بحجم ما يقدمه للآخرين بل بالطريقة التي يقدم بها الأشياء والشعور الذي يتركه بعد كل لقاء فهناك من يقدم المساعدة ويثقلها بالمن وهناك من يقدمها ويحفظ كرامة صاحبها وهناك من ينصح فيجرح وهناك من ينصح برفق فيجد لكلامه طريقًا إلى القلب وهناك من يتجاوز عن الخطأ فيحفظ بذلك ما بينه وبين الناس من ود
إن الناس يمرون بأوقات تتفاوت فيها قدرتهم على الاحتمال ويحتاجون فيها إلى من يراعي ضعفهم ويقبل اعتذارهم ويمنحهم فرصة للإصلاح ومن أجمل ما يقدمه المرء لمن حوله أن يكون عونًا لهم على تجاوز ما يمرون به لا عبئًا يضاف إليه وأن يجعل من حضوره سببًا للطمأنينة ومن حديثه بابًا للتفاهم ومن معاملته شاهدًا على أن حسن الخلق قادر على إصلاح الكثير مما تفسده القسوة وسوء الظن
ولعل السماحة من الأخلاق التي يظهر أثرها مع مرور الأيام في دوام المحبة وبقاء الود وفي النفوس التي ترتاح إلى صاحبها والقلوب التي تحفظ له جميل معاملته فالأثر الطيب لا يحتاج دائمًا إلى مواقف استثنائية كي يبقى بل قد تصنعه تفاصيل صغيرة تتكرر حتى تصبح جزءًا من ذاكرة الناس
ما أجمل أن يكون الإنسان ممن ييسرون ولا يعسرون ويرفقون ولا ينفرون ويجد الناس في صحبتهم سعة وفي اختلافهم إنصافًا وفي معاملتهم رحمة فالحياة بما فيها من مشقة تكفي الإنسان دون أن يزيدها عليه من حوله
السماحة قيمة تظهر في تفاصيل الحياة كلها وهي من الأخلاق التي يصلح بها المرء علاقته بربه ثم علاقته بنفسه وبالناس من حوله وحين تصبح السماحة والرفق والتيسير جزءًا من طبعه يغدو حضوره أثرًا طيبًا تتجاوز منافعه حدود الموقف الذي جمعه بالآخرين ويبقى في نفوسهم شاهدًا على جمال الخلق وحسن المعاملة
للتواصل: [email protected]



