مراجعة النفس… طريق الطمأنينة وسموّ الروح

✍️ بدرية المعجل – كاتبة سعودية :
في زمنٍ تتساقط فيه الأرواح كما تتساقط أوراق الأشجار في فصل الخريف، تتوالى مشاهد الفقد، وتُقام في البيوت مراسم العزاء، وتذرف العيون الدموع، وتعتصر القلوب ألمًا على فراق الأحبة. وفي ظل تزايد أخبار الموت المفاجئ، الذي لا يفرّق بين صغير وكبير، نجد أنفسنا أمام لحظات تستدعي التوقف والتأمل، ومراجعة حساباتنا مع أنفسنا ومع الآخرين.
كم نحن بحاجة إلى أن نتوقف قليلًا، ونطرح على أنفسنا أسئلة صادقة: ماذا قدمنا لأنفسنا؟ وماذا تركنا في نفوس الآخرين من أثر؟ وهل أنصفنا من أسأنا إليهم؟ وهل حفظنا ألسنتنا عن الخوض في أعراض الناس؟ وهل أدركنا حقوق الآخرين، وصُنّا كراماتهم، وتجاوزنا عن زلاتهم؟
إن مراجعة النفس ليست مجرد استذكار للمواقف، بل هي عملية واعية لترتيب الداخل، وتنقية القلب، وتصحيح المسار، ومحاسبة الذات على الأقوال والأفعال. وطوبى لمن راجع نفسه، وجاهدها، وردعها عن الهوى، وسعى بها إلى طريق الخير؛ فمَن أحسن محاسبة نفسه، استقام سلوكه، واطمأن قلبه، وسكنت روحه، وانعكس ذلك على تعامله مع الآخرين.
وقد أقسم الله سبحانه وتعالى بالنفس اللوامة، فقال: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾، وهي النفس التي تلوم صاحبها على التقصير، وتوقظه من الغفلة، وتدعوه إلى مراجعة أفعاله وتصحيح أخطائه. فالإنسان ليس معصومًا من الخطأ، ولا منزّهًا عن الزلل، ولكن العاقل الفطن هو من يتعلم من أخطائه، ويحاسب نفسه قبل أن يحاسب، وينهاها عن الهوى، ويصون لسانه، ويكف أذاه عن الناس.
ومن المؤسف أن نرى بعض الناس يفرحون بأخطاء الآخرين، ويتسابقون إلى كشف المستور، وتتبع العورات، ونشر الخصوصيات، وكأن حياة الإنسان كتاب مفتوح لا حرمة له ولا خصوصية. يتناقلون أخبار المبتلين، ويتشمتون بزلاتهم، ويجعلون من عثراتهم مادة للتداول، ووسيلة لزيادة المتابعات، غافلين عن أن الابتلاء قد يصيب أيًّا منا، وأن الأيام دول، وأن ما نراه اليوم في حياة غيرنا قد يصبح غدًا جزءًا من حياتنا أو حياة من نحب.
لقد جعل الإسلام للإنسان حرمةً عظيمة، وحفظ له دمه وماله وعرضه، فقال رسول الله ﷺ: «كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه». فكيف يليق بنا أن نؤذي الآخرين بألسنتنا، أو ننتهك خصوصياتهم، أو ننتقص من كرامتهم، ثم نرجو لأنفسنا السلامة والستر؟
إن القلوب بين أصابع الرحمن، يقلبها كيف يشاء، والإنسان ضعيف مهما بلغ من القوة، ومحتاج إلى رحمة الله وستره في كل حين. ولذلك، فإن من الحكمة أن ننشغل بإصلاح أنفسنا بدلًا من تتبع عيوب الآخرين، وأن نسأل الله الثبات وحسن الخاتمة، وأن نجاهد أنفسنا على فعل الخير، ونكف ألسنتنا وأيدينا عن كل ما يؤذي الناس.
فالله سبحانه وتعالى هو الحَكَم العدل، وهو الغفور الرحيم، وهو العالم بالسرائر وما تخفي الصدور. أما البشر، فلا يملكون لأنفسهم ولا لغيرهم نفعًا ولا ضرًّا إلا بإذن الله، ومع ذلك يتعالى بعضهم على بعض، ويتشمتون بزلات الآخرين، ويفرحون بعثراتهم، وكأنهم أوصياء على حياة الناس، أو قضاة على نياتهم وأحوالهم.
وفي عصر الفضاء الإلكتروني، الذي أتاح للجميع مساحة واسعة للتعبير والنشر، أصبحت المسؤولية الأخلاقية أكبر من أي وقت مضى؛ فليست كل معلومة جديرة بالنشر، ولا كل خبر يستحق التداول، ولا كل ما نعرفه عن الآخرين يحق لنا إعلانه. فحرية التعبير لا تعني انتهاك الحرمات، ولا تبرر الإساءة، ولا تمنح أحدًا الحق في التشهير بالآخرين أو تتبع عثراتهم.
وقد وضع ديننا الحنيف ضوابط واضحة تحفظ للمجتمع تماسكه، وللأفراد كرامتهم، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾. وهي دعوة صريحة إلى صيانة الأعراض، واحترام الخصوصيات، والابتعاد عن كل ما يزرع الأحقاد ويفكك الروابط الإنسانية.
لذلك، لنتوقف قليلًا، ونراجع أنفسنا قبل أن نحاسب الآخرين، ولنسألها بصدق: هل كانت كلماتنا جبرًا للخواطر أم كسرًا لها؟ وهل كانت مواقفنا سببًا في نشر الخير أم في زيادة الألم؟ وهل تركنا خلفنا أثرًا طيبًا يُذكر لنا، أم جراحًا يصعب نسيانها؟
إن الدنيا قصيرة، والأعمار تمضي، والأنفاس معدودة، ولا يعلم أحدنا متى تكون لحظته الأخيرة. فما أجمل أن نقضي أعمارنا فيما ينفعنا وينفع مجتمعنا، وأن نجعل من كلماتنا جسورًا للمحبة، ومن مواقفنا أبوابًا للخير، ومن حضورنا في حياة الآخرين مصدرًا للطمأنينة والأمل.
فالرقي الحقيقي ليس في تتبع عثرات الناس، ولا في كشف أسرارهم، ولا في الانتصار عليهم بالكلمات، بل في سمو النفس، وحسن الخلق، واحترام الآخرين، والانشغال بإصلاح الذات وتحقيق الأهداف النبيلة.
فلنراجع أنفسنا قبل أن نراجع الآخرين، ولنستر زلاتهم كما نرجو أن يستر الله زلاتنا، ولندع الخلق للخالق؛ فهو وحده العليم بالسرائر، والمطّلع على خفايا النفوس.
فما أجمل أن نلقى الله بقلوب سليمة، وألسنة طيبة، وأيدٍ تمتد بالخير، ونفوس لا تحمل الحقد ولا تتغذى على آلام الآخرين.
للتواصل : [email protected]



