الباحة وطريق الحج السروي… قراءة تدعو للبحث والتوثيق

✍️ د.سعيد عبدالله آل جفشر – كاتب سعودي :
يحمل خبر اطّلاع سمو أمير منطقة الباحة، خلال استقباله مدير فرع هيئة التراث بالمنطقة، على نتائج مشروع المسح الأثري للدروب والطرق القديمة «العقاب» بين السراة وتهامة، الذي أسفر عن حصر وتوثيق خمسة وثلاثين موقعًا، دلالةً على العناية بتاريخ المنطقة ومسالكها القديمة، ويفتح بابًا لدراسة صلات هذه الدروب بشبكة الطرق التي عبرتها قوافل الحج والتجارة، وفي مقدمتها طريق الحج السروي، الذي تمثل الباحة عقدة وسطه.
ويعكس هذا الاطّلاع اهتمام صاحب السمو الملكي الأمير الدكتور حسام بن سعود بن عبدالعزيز، أمير منطقة الباحة، وسمو نائبه صاحب السمو الأمير فهد بن سعد بن عبدالله بن تركي، بكل ما يتصل بالباحة إنسانًا ومكانًا وتاريخًا وثقافةً وحضارةً، وحرصهما على صون موروثها وإبراز عمقها التاريخي وقيمتها الحضارية.
وهذا الاهتمام يهيئ أرضية علمية لفهم حركة الإنسان بين السراة وتهامة، وما ارتبط بها من قرى وأسواق ومنازل للقوافل، مع ضرورة التحقق من صلة المواقع المرصودة بطريق الحج؛ فالدروب القديمة متعددة الوظائف والوجهات، وتحديد مساراتها يحتاج إلى الجمع بين المصادر المكتوبة والشواهد الميدانية.
وتتعدد طرق الحج التي تناولها كتاب «آثار منطقة الباحة»، ومنها: طريق الحج اليمني الأعلى «النجدي»، وطريق الحج اليمني السروي، وطريق الحج اليمني القديم «درب الصدر». كما ورد في متنه ذكر «طريق التجارة القديم»، المعروف بطريق الحج اليمني المار بالأطراف الشرقية للمنطقة، و«الطريق الساحلي» عند الحديث عن اندماج درب الصدر معه عند الليث. وسنقتصر في هذا المقال على طريق الحج الجبلي السروي، مع التمييز بينه وبين المسارات الأخرى، تجنبًا للخلط في أسمائها ومحطاتها.
ويُعرف كذلك بطريق «العصبة»، وتعبره قوافل حج تُعرف بـ«العصبة»، وأخرى بـ«المحمل»، ولكل تسمية دلالاتها التي ليس هذا موضع بحثها، إلى جانب قوافل لا يجمعها تنظيم محدد أو اسم تاريخي معروف. وقد سلكت هذه القوافل أجزاءً مختلفة من الطريق، ومن عابريه حجاج اليمن ونجران ومنطقة عسير «السروات التاريخية»، فضلًا عن حجاج من شرق آسيا والقرن الأفريقي.
وقد وجدتُ في بيانٍ أوردته السالنامات العثمانية، في أواخر القرن الثالث عشر الهجري وبدايات القرن الرابع عشر الهجري، ذكرًا لاثنتين وأربعين محطة لحجاج الطريق الجبلي أو السروي، تبدأ من صنعاء وتنتهي بعرفات. وسأقتصر هنا على عرض المحطات المتصلة بامتداده عبر عسير والباحة نحو الطائف والمشاعر المقدسة، مع التركيز على محطات الباحة وما يحيط بتحديدها من مسائل جغرافية وتاريخية.
وترد ضمن هذه المحطات: ظهران الجنوب، والحوط، ووادي يعوض، وجزعة ابن الحنيش وقشة، ودرب آل سلمان «وطن آل نادر»، ودرب العقيدة «درب ابن العقيدة»، وذهبان بخميس مشيط، وبيت ابن الشاعر في بلاد بني مالك، وعبل، وصبح، والمظفاء، وسدوان، وبيت ابن الشفرة، والنماص، والقصبة، وأبيار التتن، ووادي بطاط، والمرواه، وسفال عقبة الجلة، ورغدان، ومشنية، وبرحرح، والشعيرا، والصرارة، والخلف، وجربت الأمير، والسحير، والطائف، والكر، وجبل عرفات. وأعتذر عمّا قد يظهر في كتابة بعض أسماء المواضع من أخطاء؛ فقد نقلتُها حرفيًا كما وردت في السالنامات العثمانية، وهي تستدعي التحقيق والمقارنة بأسمائها المحلية ومواقعها المعروفة اليوم.
ويمثل هذا الامتداد شاهدًا على اتصال بلاد جنوب الجزيرة العربية بالمشاعر المقدسة، وعلى دور القرى والأودية والأسواق في خدمة العابرين وتوفير الماء والمؤونة والاستراحة. فالطريق، إلى جانب غايته الدينية، مجالٌ للتواصل الاجتماعي والثقافي والاقتصادي، انتقلت عبره الأخبار والمعارف والسلع، وتعارفت على جنباته المجتمعات.
وحين يدخل الطريق ديار منطقة الباحة، تبرز مسألة تستحق الدراسة؛ إذ نجد في بيان المحطات مواضع في جبال السروات، وأخرى في تهامة. وهذا التفاوت يستدعي التحقق مما إذا كانت تلك المواضع تمثل طريقًا متصلًا، أو فروعًا متلاقية، أو أن بعض الأسماء يحتاج إلى إعادة تعيين موقعه.
وقد أفدتُ في التعرف على هذه المواضع من تواصلي مع الأخ فهد الطليسي، أحد أبناء منطقة الباحة الملمين بتاريخها وجغرافيتها. والحق أن لأبناء المنطقة عنايةً مشهودة بتاريخ بلادهم، ومعرفةً واسعة بموروثها الاجتماعي والتراثي والأدبي، واهتمامًا بتفاصيل أمكنتها وأسمائها؛ وهي جهود تستحق التقدير، وتمثل رافدًا مهمًا للباحث متى قورنت بالمصادر والشواهد.
وبحسب ما أفاد به، فإن وادي بطاط يقع في ديار غامد الزناد بتهامة غامد، والمروة قرية لبني عُمر بتهامة الباحة، كما أشار إلى أسفل عقبة الباحة، وهي عقبة لقرية الباحة من غامد. أما رغدان فهي قرية لبني خثيم من غامد بالسراة، ومشنية قرية لقبيلة كنانة من زهران بالسراة، وبرحرح وادٍ لقبيلة دوس من زهران، فيما تقع الشعيراء في ديار بني مالك ناحية ميسان.
وهذه الإفادات تفتح أسئلة علمية حول الأسماء الواردة في البيان؛ فهل «المرواه» هي «المروة» المذكورة؟ وما الموضع المقصود بـ«سفال عقبة الجلة»، وما علاقته بالإشارة إلى أسفل عقبة الباحة؟ وكيف ينتظم الانتقال بين المحطات التهامية والسراوية؟ وهي تساؤلات طبيعية لباحث أتاح له عمله في منطقة الباحة فرصة التعرف على تاريخها وموروثها؛ إذ يبقى لأبناء المنطقة فضل المعرفة بدقائق مواضعها وخلفيات أسمائها، وقد عوّدونا على إثراء الباحثين بمعلوماتهم، وإرشادهم ودعم جهودهم في خدمة موروث منطقتهم وتوثيقه.
ومن هنا تتضح أهمية الباحة في دراسة الطريق؛ ففي نطاقها تتجاور السراة وتهامة، وتتصل المرتفعات بالعقاب والأودية، ويصبح فهم مسالك العبور بينها مفتاحًا لتفسير جانب مهم من حركة القوافل. كما أن تتبع الامتداد شمالًا نحو بلاد بني مالك والطائف، ثم الكر وعرفات، يقتضي المقارنة بين الروايات والخرائط وآثار الطريق، وتحديد مراحل استخدام مساراته المختلفة.
والموضوع ليس بكرًا؛ فهناك دراسات وأبحاث وخرائط سابقة عن طرق الحج والتجارة وآثار المنطقة، ينبغي جمعها والاستفادة منها والبناء عليها. كما أن الخبر المنشور يعكس عملًا قائمًا واهتمامًا رسميًا يستحق أن يواكبه جهد بحثي يربط نتائج المسوح بالمصادر التاريخية، ويقدمها في صورة علمية متاحة للباحثين والمجتمع.
ولعل جامعة الباحة، بالتنسيق مع هيئة التراث، تتبنى برنامجًا بحثيًا لتوثيق الطريق ومحطاته وفروعه، وتوجيه طلاب التاريخ والباحثين إلى إعداد دراسات محكّمة ونشرها، وصولًا إلى أطلس تاريخي وجغرافي موثق. ويمكن أن تصاحب ذلك لقاءات علمية وفعاليات ثقافية ومسابقات لأفضل البحوث، تتسع لدراسة المواقع الأثرية في المنطقة والتعريف بقيمتها.
إن طريق الحج السروي ذاكرةٌ للعبور إلى البيت الحرام، وسجلٌّ لعلاقة الإنسان بالمكان وما نشأ بين المجتمعات من صلات. والباحة، بما تختزنه من شواهد ومعرفة محلية واهتمام مؤسسي، جديرة بأن تكون مركزًا لدراسته وإبراز قيمته، وحفظ ما بقي من آثاره للأجيال القادمة.



