{وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ}

زاوية ” جمعتنا آيه ”
✍️حسن المقصودي-كاتب سعودي :
في خضم التحولات الاجتماعية المعاصرة وتداخل العلاقات الإنسانية، تبرز بعض الظواهر السلوكية المريضة التي تشكل تهديداً حقيقياً للاستقرار المجتمعي والسلام النفسي للأفراد. ومن أخطر هذه السلوكيات ما يولد في عتمة النفوس من غلّ وحقد، حين يتجاوز طاقة التمني السلبية ليتحول إلى ممارسات عدوانية تدميرية، كاللجوء إلى الدجل والشعوذة لإيذاء الأبرياء. أمام هذا التحدي السلوكي، يقدم لنا القرآن الكريم حصناً فكرياً ونفسياً منيعاً تختصره الآية الكريمة: {وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ}.
من الانفعال النفسي إلى السلوك الإجرامي
تتجلى دقة اللفظ القرآني في تقييد الاستعاذة بوقت وقوع الفعل؛ حيث قال الله تعالى: {إِذَا حَسَدَ}. هذا التقييد يوضح أن الخطر الفعلي على أمن المجتمع يبدأ عندما يتحول الغل الكامن في الصدور إلى سلوك إجرامي في الواقع. فالنفوس المأزومة لم تعد تكتفي بالكمد الداخلي، بل تدفعها الأنانية المفرطة والاعتراض على الحكمة الإلهية في توزيع الأرزاق إلى طرْق أبواب المشعوذين، ظناً منها أنها قادرة على سلب ما وهبه الله لعباده من توفيق، أو صحة، أو استقرار أسري؛ متناسين أن الأمور كلها تجري بمشيئة الله وتقديره وحده، وأن الأثر لا يقع إلا بإذنه الكوني القدري.
الشبهة والوهم: منظور شرعي وقانوني
إن السعي وراء إيذاء الناس بظلمات السحر يعكس أزمة إيمانية وأخلاقية فادحة؛ فالساحر كافر بنص الشريعة الإسلامية، واللجوء إليه من كبائر الموبقات. ومن الناحية القانونية، فإن ممارسات الدجل والشعوذة لا تصنف كأوهام عابرة، بل هي جرائم جنائية مكتملة الأركان تعاقب عليها التشريعات الحديثة بموجب مواد مكافحة النصب، والاحتيال، والابتزاز، وإلحاق الضرر العمدي بالغير. لقد حسم التشريع الرباني مآل هذه الفئة بوضوح قاطع في قوله تعالى: {وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ}، لتأكيد أن النتيجة الحتمية لكل من يتاجر بضميره ودينه في سوق الدجل هي الخسران المطلق عاجلاً أو آجلاً.
التحرر باليقين وصناعة الوعي
الرسالة التنويرية العميقة التي تبثها الآية لقرّاء زاوية “جمعتنا آية” ليست إشاعة الفوبيا، أو زرع الشك والارتياب بين أفراد المجتمع والبيئة المحيطة، بل هي على العكس تماماً؛ دعوة صريحة للتحرر من وهْم الخوف والاستناد إلى القوة الإلهية المطلقة. إنها توجه الأبصار نحو “الحفيظ” الذي بيده ملكوت كل شيء، فالاستعاذة الحقيقية تعني وعياً تاماً بأن كيد الحاسدين والسحرة، مهما تذاكى أصحابه، يظل عاجزاً وواهياً أمام مشيئة الله وحمايته وتدبيره.
أفق تنويري: تجفيف منابع الخرافة
إن الوقوف في ظلال هذه الآية الكريمة يستلزم صياغة وعي جمعي يربط بين سلامة العقيدة ونضج العقل. فالجهود المجتمعية يجب ألا تقتصر على معالجة الآثار النفسية للحسد، بل يجب أن تمتد إلى تجفيف منابع الخرافة والجهل التي يقتات عليها الدجالون والمشعوذون. التنوير الحقيقي يبدأ عندما ندرك أن تحصين المجتمع يتطلب نشر ثقافة الغبطة والمحبة، ودعم الناجحين، وبناء جدار معرفي وقانوني صلب يلفظ الأفكار الظلامية. حين يمتلئ العقل باليقين بأن النفع والضر بيد الله وحده، تسقط أسلحة المشعوذين تلقائياً، وتشرق النفوس بنور الرضا والاستقرار الفكري الذي يبني الأوطان ويصون الإنسان.
والسلام ؛؛؛
للتواصل : [email protected]



