كتاب الرأي

شيف على الطريق

     ✍️ د. حليمه عسيري – كاتبة سعودية :

في كل مرة أضع قدمي على طريق جديد، أكتشف أنني لا أبحث عن طبق جديد فقط، بل عن حكاية لم أسمعها من قبل.

نسمع قصصًا لم تكتبها الكتب، ونكتشف تقنيات لم نقرأ عنها في المناهج، وربما لم نتعلمها في مدارس الطهي أو نطبقها في المطابخ الحديثة.

امرأة تقول لك:
«كانت ستي تسويها كذا… وكانت أمي تسويها كذا».

ورجل يقول:
«أخذتها من فلان، ومن يومها وأنا أسويها بهذه الطريقة».

تسأل عن المقادير، فلا تجد ميزانًا.
تسأل عن الوقت، فلا تجد ساعة.
تسأل عن درجة الحرارة، فلا تجد ميزانًا للحرارة.

ومع ذلك… النتيجة مدهشة.

هؤلاء لم يتعلموا بالضرورة من مدارس متخصصة، ولم يحملوا شهادات في الطهي، ولم يدخلوا دورات تدريبية. تعلموا من الحياة؛ من الحاجة، ومن التجربة، ومن الخطأ، ومن تكرار المحاولة.

كان المطبخ بالنسبة لهم مدرسة مفتوحة.

والحاجة كانت معلمًا لا يتأخر عن موعده.

ربما لهذا قيل قديمًا: «الحاجة أم الاختراع».

فحين لا تتوفر الأدوات، يخترع الإنسان طريقة. وحين يقل أحد المكونات، يبحث عن بديل. وحين تتغير الظروف، تتغير الوصفة معها.

وهنا تكمن دهشة الشيف.

أن تكتشف أن تقنية بسيطة ظننتها عادية، هي في الحقيقة نتيجة سنوات طويلة من التجربة. وأن حركة باليد، أو طريقة في العجن، أو ترتيبًا معينًا لإضافة المكونات، لم تُكتب في كتاب، لكنها انتقلت من يد إلى يد، ومن جيل إلى جيل.

نحن اليوم نملك الموازين، وأجهزة التحكم بدرجات الحرارة، والمطابخ المتطورة، والمدارس والمعاهد والمراجع.

لكن هناك شيئًا لا يمكن لأي جهاز أن يمنحه لنا:

خبرة عاشها إنسان.

لذلك، عندما أكون «شيفًا على الطريق»، أحاول ألا أكون مجرد من يأتي ليتذوق ثم يغادر.

أحاول أن أستمع.

أن أسأل.

أن أراقب اليد وهي تعمل.

فربما أتعلم في دقائق من امرأة في مطبخ بسيط ما لا أتعلمه في ساعات من القراءة.

وربما يكون خلف طبق صغير قصة عمر كامل.

وهنا أفهم أن عالم الطهي أكبر بكثير من الوصفات.

إنه ذاكرة تمشي على قدمين، وخبرة تسكن في الأيدي، وحكايات لا تزال تنتظر من يتوقف ليسمعها.

شيف على الطريق…
أبحث عن الطعم، فأجد الحكاية.

للتواصل : [email protected] .

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى