مملكة استقرار … لا جمهوريات انقلابات

✍️ هشام حسن نتو – كاتب سعودي :
في اليوم الوطني السعودي السادس والتسعين، لا ينبغي أن يكون الاحتفاء بالوطن مجرد أعلام خضراء ترفرف، أو كلمات عاطفية عابرة، بل هو فرصة لقراءة تاريخ دولة امتدت جذورها ثلاثة قرون، ومعرفة كيف استطاعت المملكة العربية السعودية أن تحافظ على كيانها، وتبني الإنسان والأرض، بينما عصفت الاضطرابات والانقلابات بدول أخرى، فتغيرت أنظمتها وتبدلت شعاراتها وبقيت شعوبها تدفع الثمن.
عندما استرد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود – رحمه الله – الرياض عام 1319هـ الموافق 1902م، لم يكن أمام مشروع عسكري ينتهي بالسيطرة على مدينة، وإنما كان أمام مشروع دولة، يستعيد به ملك آبائه وأجداده، وينطلق من جذور الدولة السعودية التي أسسها الإمام محمد بن سعود – رحمه الله – في الدرعية عام 1139هـ الموافق 1727م.
ومنذ خطوات التوحيد الأولى، أدرك الملك عبدالعزيز أن الأرض التي تدخل تحت راية الدولة تحتاج إلى الأمن قبل كل شيء؛ فالناس لا يبنون في الفوضى، ولا تزدهر التجارة في الخوف، ولا تقوم دولة قوية إذا فقد الإنسان أمنه وكرامته.
ومن هنا كان تأمين المدن والقرى والطرق من أولويات الدولة، إلى جانب العناية بالحجاج والمعتمرين وقاصدي بيت الله الحرام، في مرحلة كانت فيها الإمكانات محدودة، والمسافات شاسعة، والتحديات الأمنية والاقتصادية كبيرة.
ومضى الملك عبدالعزيز في مشروعه حتى أعلن في عام 1351هـ الموافق 1932م توحيد البلاد باسم المملكة العربية السعودية، لتبدأ مرحلة جديدة من بناء مؤسسات الدولة وتوحيد أقاليمها تحت راية واحدة.
ولم يكن الأساس الديني للدولة شعارًا مرحليًا، بل أصبح ركيزة ثابتة في نظام الحكم؛ فالقرآن الكريم وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم هما مصدر السلطة والمرجعية التي يقوم عليها نظام الحكم في المملكة.
ثم رحل المؤسس، وبقيت الدولة.
وهنا تكمن واحدة من أهم دلالات التجربة السعودية.
تعاقب أبناء الملك عبدالعزيز على الحكم، واختلفت ظروف كل مرحلة وتحدياتها، لكن الدولة لم تبدأ من الصفر مع كل ملك، ولم تهدم مرحلة ما بنته المرحلة التي سبقتها، بل تراكم البناء جيلًا بعد جيل؛ مدارس وجامعات ومستشفيات وطرق ومدن وصناعة واقتصاد ومؤسسات وأنظمة، حتى أصبحت المملكة التي نعيشها اليوم امتدادًا لذلك المشروع الذي بدأه المؤسس ورجاله.
وطننا لم يكن وليد استعمار، ولم يولد من انقلاب عسكري، ولم ترسم هويته بيانات ثورية مؤقتة.
إنما قامت المملكة عبر مسيرة تاريخية طويلة، كان هدفها توحيد الأرض، وترسيخ الأمن، وبناء مؤسسات الدولة، ثم الانتقال من مرحلة إلى أخرى دون قطع جذورها أو هدم ما تحقق قبلها.
وعندما ننظر إلى التاريخ السياسي الحديث من حولنا، نجد تجارب مختلفة تمامًا؛ دولًا شهدت انقلابات عسكرية متعاقبة، جاءت بعضها ببيانات تتحدث عن تحرير الشعوب واستعادة الحقوق والعدالة والازدهار، ثم اصطدمت تلك الشعارات بواقع السلطة.
وفي بعض تلك التجارب تحولت الدولة إلى ساحة للصراع بين الأحزاب أو العسكر أو التيارات الفكرية، وتراجعت التنمية أمام معارك تثبيت الحكم، ودخلت الشعوب في أزمات اقتصادية وسياسية متلاحقة.
ذهب قادة، وجاء آخرون، وتغيرت أسماء الحكومات والشعارات، لكن الأرض بقيت والشعوب بقيت تدفع ثمن عدم الاستقرار.
وهنا يجب أن نكون منصفين: ليست الجمهورية بذاتها مرادفًا للفشل، كما أن اسم النظام وحده لا يصنع نجاح الدولة؛ فهناك جمهوريات استطاعت بناء اقتصادات قوية ومؤسسات فاعلة. الصين، على سبيل المثال، استطاعت خلال عقود أن تتحول إلى إحدى أكبر القوى الاقتصادية في العالم.
إذن، المسألة أعمق من اسم النظام.
إنها فلسفة بناء الدولة والإنسان.
الدولة التي تستثمر في الإنسان، وتحفظ الأمن، وتبني المؤسسات، وتراكم منجزاتها، تستطيع أن تتقدم مهما كانت التحديات. أما الدولة التي تجعل بقاء السلطة غايتها الأولى، وتستهلك طاقاتها في الصراعات والانقلابات والشعارات، فإنها قد تخسر الزمن والإنسان معًا.
وهنا تتجلى خصوصية التجربة السعودية.
لقد امتلكت المملكة عنصرًا بالغ الأهمية في بناء الدول: الاستمرارية.
فالملك يسلم الراية لمن بعده، والمؤسسة تستمر، والمشروع الوطني يتطور، ولا يبدأ الوطن من جديد مع كل مرحلة.
واليوم، ونحن نحتفي باليوم الوطني السادس والتسعين، فإننا لا نحتفل فقط بذكرى إعلان توحيد المملكة، بل نحتفي بوطن استطاع أن يحافظ على استقراره، وأن ينتقل من مرحلة التأسيس إلى البناء، ومن البناء إلى التنمية، ومن التنمية إلى الطموح العالمي.
لقد أثبت التاريخ أن بناء الأوطان لا يكون بكثرة الشعارات، ولا بالانقلابات والبيانات، وإنما ببناء الإنسان، وحماية المجتمع، واستقرار المؤسسات، ووضوح الطريق.
تسقط حكومات، وتتغير أنظمة، وتطوي صفحات التاريخ أسماء كثيرة، بينما تبقى الدولة التي أحسنت بناء جذورها قادرة على مواجهة الزمن.
وفي وطننا، كانت الجذور عميقة، وكان البناء متراكمًا، وكانت العلاقة بين القيادة والشعب عنصرًا أساسيًا في استقرار الدولة واستمرارها.
وبعد ستة وتسعين عامًا من إعلان التوحيد، ننظر إلى ما حولنا، ثم ننظر إلى وطننا، فندرك قيمة نعمة قد يعتادها الإنسان حتى ينسى عظمتها:
نعمة الدولة المستقرة.
وإذا كان التاريخ هو الحكم بين التجارب، فإن ما يبقى في النهاية ليس صخب الشعارات، وإنما ما تركته الدول لشعوبها من أمن وكرامة وتنمية ومستقبل.
وهنا فقط ندرك المسافة بين من بنى دولة لتبقى، ومن بنى سلطة لتبقى.
وشتان بين الثرى والثريا.
للتواصل : [email protected]



