حين تستيقظ الجغرافيا في وجدان المبدعين.. حوارات بين نبض الطين وتطلعات السماء
تحقيق صحفي: ذاكرة الأرض وأشرعة الضوء

عنوان – إعداد – مزريه علي هروبي :
في حضرة البياض.. حين ينطق التراب
قبل أن تسيل المحبرة، وقبل أن تلامس ضربة الفرشاة الأولى بياض اللوحة العذراء، يقف المبدع في لحظة صمت مهيبة تستحضر فيها الذاكرة كل تفاصيلها الدفينة. فالجغرافيا هنا ليست مجرد خطوط مرسومة على خريطة أو تضاريس جامدة، بل هي كائن حي يسكن شرايين المبدعين، ينبض برائحة المطر الأول على الأرض العطشى، ودفء الأزقة القديمة، وأصوات الأجداد المعلقة في الهواء.
في هذا التحقيق، نفتح دفاتر البوح الإنساني مع نخبة من الأدباء والفنانين التشكيليين والمربين ورواد التراث في المملكة العربية السعودية، لنستنطق علاقتهم بالأرض، ونرصد كيف يوازن المبدع بين ثبات الجذور وتسارع العصر الرقمي، وما الرسالة التي يحملونها إلى العالم وإلى الأجيال القادمة حين تمر مئة عام من الآن.
بياض اللوحة ونداء الجذور الدفين
حين يواجه الكاتب صفحته البيضاء أو يتهيأ الرسام للوحته، يحضر شعور دفين يفرض نفسه بطلا للعمل. يصف الكاتب وليد محمد الحداد تلك اللحظة بتأمل عميق، مشيرا إلى أنه حين ينظر إلى المساحة البيضاء لا يرى أرضا صامتة، بل يرى ذاكرة تنهض فجأة من التراب، وتضع في يده قلما كأنها تطلب منه أن يكتب ما عجزت هي عن نسيانه.
وهذا النداء الحسي تجده حاضرا عند الشيف والمستشارة حليمة عسيري التي تبدأ علاقتها بالمكان من تفاصيل الحياة اليومية البسيطة؛ فحين تتذكر وطنها لا يخطر ببالها مجرد موقع، بل تستحضر رائحة الأرض بعد المطر، ودفء البيوت، وعبق الخبز وطعام الطفولة، وهي التفاصيل التي تخبرها دوما أن هنا جذورها ومن هنا تبدأ كل حكاية.
أما المشرفة التربوية والإعلامية نادية الجودي، فتحضر الطائف في ذاكرتها برائحة الورد وصوت الأب الدافئ، لتخضر ورقتها بالحكايات ويغدو الحنين بطلا للنص، بينما تسترجع الفنانة التشكيلية سلوى تويتي والأديبة ناهد شما ذكريات النشأة الأولى وملامح الناس بوصفها الوقود الذي يوقد شرارة الإبداع الأولى.
تضاريس الروح.. من شموخ الجبال إلى اتساع الصحراء
لم تكن بيئة هذه الأرض يوما مجرد خلفية للمشهد، بل صاغت روح المبدع وطبيعة أدواته. الفنان التشكيلي والإعلامي وهيب شاهين يرى في الجبل معاني الثبات والشموخ، وفي الصحراء اتساع الأفق والصبر والصفاء، بينما تمثل الأزقة القديمة بالنسبة له دفء الإنسان وحكايات البيوت التي لا تمحى.
ويضيف وليد الحداد بعدا وجدانيا خاصا لأزقة مكة المكرمة وجبالها، مؤكدا أن جبال مكة تبتلع الضجيج، وأزقتها القديمة تجعله يشعر كلما مشى فيها أن الماضي هو الذي يتقدم نحوه ويعود إليه.
وعلى مستوى التعبير اللوني، توضح سلوى تويتي أن كل مكان له بصمته ومعناه؛ فالجبال ترجمتها في أعمالها بمفردات العزة، وجعلت ضربات الفرشاة بارزة وحادة لتمنح العمل حضوره الواقعي المتجذر.
حراسة البساطة في سباق العصر السريع
في ظل التسارع المذهل نحو المستقبل والتحولات التقنية الهائلة، يبرز التحدي الأكبر: كيف يحرس المبدع فطرته وأصالته كي لا يجرفه بريق العصر؟
ترى الكاتبة والمحررة بدرية المليحي أن المبدع الحقيقي لا يرفض المستقبل، بل يستوعبه بوعي كامل دون أن يسمح له باقتلاع جذوره، فالأصالة هي التوازن الحي بين مواكبة التطور وصون الهوية.
وتلخص الممرضة والكاتبة لُجين بهكلي هذا الشعور في بوح شعري عذب، تصف فيه نفسها بأنها تقف جسرا بين الماضي والحاضر، تأخذ من هذا وذاك لتعبر إلى الغد دون أن تنفصل عن أمسها.
ويضع وليد الحداد يده على جوهر المعادلة حين يؤكد أنه يحرس البساطة كما يحرس الحريص أثمن ما يملك، لأن الشاعر أو الفنان إذا انشغل بالزخرفة المفرطة قد يلمع السطح حتى تختفي روح العمل من وراء البريق.
التحول الإنساني.. حين يلتقي المبدع بالجمهور
عاش الفنان والكاتب زمنا طويلا في عزلته الخاصة يراجع فيها ذاته وأفكاره، لكن الفنون اليوم غادرت الصالونات المغلقة لتملأ الميادين والفضاءات العامة.
تصف الكاتبة أحلام بكري خروج المبدع إلى الناس بأنه يشبه إخراج دلو الماء العذب من بئر عميقة ليرتوي منه الجميع. وتؤكد بدرية المليحي أن هذا اللقاء الحي في الميدان لا يقضي على العزلة بل يغذيها، إذ تصبح خلوة الكاتب بعد معايشة الناس مساحة أعمق لتأمل التجربة وسكبها في حروف تلامس القلوب بصدق.
ويؤكد الدكتور حسان السراج أن النزول للميدان يثمر تفاعلا صادقا ومبادرة خلاقة، بينما يلفت وليد الحداد إلى أن اللقاء المباشر أطفأ المسافات المصطنعة، وجعل المتلقي شريكا أصيلا في صناعة المشهد الثقافي وليس مجرد متفرج عليه.
وحول ما يلمسونه في عيون الناس، تلفت نادية الجودي النظر إلى تحول إنساني عميق؛ وهو عودة الناس للبحث عن هويتهم ومعناهم الحقيقي وسط طوفان العالم الافتراضي، وكأن الحداثة ذاتها هي التي قادتهم مجددا إلى قيمة الجذور.
حوار الأجيال.. مخاطبة الوجدان الرقمي
أمام جيل جديد فتح عينيه على إيقاع رقمي فائق السرعة، كيف يمكن للمبدع أن يجذبه إلى بيت شعر فصيح أو عمل تراثي دون أن يشعر بمسافة تفصله عنه؟
تتحدث لُجين بهكلي بوصفها ابنة لهذا الجيل الرقمي، مؤكدة أن الفن الصادق يحتفظ بسحره وقدرته على اختصار المسافات واللغات متى ما قُدم بعفوية وحب.
وتطرح حليمة عسيري رؤية عملية ترى فيها أن التراث لا يجوز أن يظل حبيس الرفوف أو معروضا خلف زجاج بارد، بل يجب أن يتحول إلى تجربة حية تُعاش وتُتذوق في التفاصيل اليومية، ليصبح الماضي رفيقا حاضرا لا ذكرى منسية.
ويوجز الفنان محمد جباري هذا التحدي بكلمات مقتضبة، موضحا أن المشاعر النابعة من القلب تجد طريقها دائما إلى كل القلوب مهما اختلفت أزمنتها وأدواتها.
أمام ثقافات العالم.. حقيقة الروح السعودية
حين يقف العمل الإبداعي السعودي في محفل دولي أمام ثقافات العالم المتنوعة، تتسع الرؤية لتعكس حقيقة الإنسان في هذه الأرض.
تؤكد بدرية المليحي أن الرسالة الأهم التي تحرص على إيصالها هي أن الإنسان السعودي ليس وليد طفرة طارئة، بل هو امتداد لحضارة عريقة ضاربة في التاريخ، إنسان يتمتع بالجود والأصالة والقدرة على مواكبة العصر دون التخلي عن روحه، مشددة على أننا لسنا مجرد جغرافيا أو أرقام، بل قصة إنسانية ملهمة تملك الكثير لتقدمه للعالم.
وتشاطرها نادية الجودي الرأي بأن الروح السعودية تجمع ببراعة بين عمق الجذور واتساع الرؤية المستقبلية، وهي روح تنفتح على الآخرين بثقة وسلام وتقدم للعالم وجها مشرقا للإبداع الإنساني.
وقفة أمام المرآة الوطنية.. هل أنصفنا هذا الوطن؟
في لحظات الهدوء التي تلي إنجاز كل عمل وطني، يقف المبدع بينه وبين نفسه ليطرح السؤال الدائم: هل أنصفنا الوطن؟
تأتي الإجابات محملة بنبرة تواضع صادقة وشعور فطري بالتقصير أمام عظمة المعنى. يعترف المستشار يوسف الطامي والدكتور حسان السراج بأن كل ما يقدمه الإنسان يظل قليلا أمام ما يمنحه الوطن من أمن واعتزاز وكرامة.
وتعبر بدرية المليحي عن هذا الهاجس بأن الوطن ليس فكرة تكتمل بانتهاء النص أو جفاف اللون، بل هو نبع متدفق من المعاني المتجددة، وكل محاولة إبداعية ما هي إلا شعلة تتقد اشتعالا لتبدأ رحلة النص القادم الذي يحاول الاقتراب أكثر من جوهر الوطن.
رسالة عبر مئة عام
حين تمضي الأيام وتمر مئة عام من الآن، ويقف قارئ أو متأمل في الغد البعيد أمام هذه النصوص واللوحات، ما الأثر الذي يتمنى هؤلاء المبدعون أن يتركه نتاجهم في القلوب؟
أجمعت أصوات المبدعين على أن أغلى ما يورث هو الصدق والوفاء للإنسان.
تتمنى حليمة عسيري أن يقول إنسان المستقبل وهو يتأمل أثرهم: كان هناك من آمن بأن التراث ليس ماضيا نحفظه في الذاكرة، بل روحا نحملها وننقلها إلى المستقبل، مؤكدة أن الفن حين يولد من محبة الأرض يستطيع أن يعبر القرون دون أن يخبو نبضه.
ويختتم وليد الحداد هذا الأفق المستقبلي بأمنية تختزل رحلة الإبداع كلها، متمنيا أن يشعر متلقي المستقبل بذات النبض الذي عاشه كاتب النص، ومذكرا بأن صدق الكلمة وشعور المحبة لا يشيخان أبدا، بل يولدان من جديد في قلب كل إنسان يقف أمامها عبر الزمان.



