ألم في ذاكرة القلب

✍️ وهج الحاتم – شاعر وكاتب :
هناك مواقف تمرّ عليها السنوات لكنها لا تمرّ من داخلك
قبل عدة سنوات كان والدي -رحمه الله وأسكنه فسيح جناته- منوّمًا في مستشفى التخصصي بجدة في قسم الرعاية التلطيفية بعد أن بلغ المرض منه مرحلةً متقدمة وأصبح جسده يضعف أمام عيني يومًا بعد يوم
كنت مرافقًا له وكان ممنوعًا من الأكل والشرب لا يتلقى سوى المغذيات لأن حالته الصحية لم تعد تسمح بأكثر من ذلك
في أحد أيام الصيف طلب مني أمراً فنزلت من الدور الرابع إلى أسفل المستشفى أنهيته وعدت إليه
ثم تذكرت شيئًا في السيارة فنزلت مرة أخرى إلى المواقف وكان الحر شديدًا، ثم عدت إلى غرفته متعبًا وعطشان
جلست على الكرسي المقابل لسريره وفتحت علبة عصير
شربتها كاملة
شربتها بعفوية إنسان عطشان دون أن يخطر في بالي أن فعلًا عاديًا كهذا سيبقى في ذاكرتي كل هذه السنوات
بعد أن انتهيت ناداني أبي
اقتربت منه فقال لي بكل بساطة:
( اطلع للدكتور، وكلمه …. قل له يسمح لي أشرب شوي عصير
لا أعرف حتى اليوم كيف أصف ما حدث في داخلي في تلك اللحظة
هل كان ألماً ؟
أم عجزاً ؟
أم شعوراً بالذنب ؟
أم قهراً لا يجد له الإنسان اسماً ؟
ربما كانت كل هذه المشاعر مجتمعة في لحظة واحدة
تماسكت أمامه وقلت:
أبشر يا أبوي الحين أطلع له وأكلمه
خرجت من الغرفة وأغلقت الباب خلفي
لكنني لم أذهب إلى الطبيب
وقفت عند باب الغرفة …. فقط وقفت
كنت أعرف الإجابة مسبقاً وأعرف أن حالته لا تسمح له بشربة العصير التي طلبها وأعرف أن الطبيب لن يستطيع أن يمنحه ما يتمنى
وقفت هناك قرابة خمس دقائق ربما أكثر أحاول أن أجمع نفسي، وأستعيد ملامحي وأرتب صوتي قبل أن أعود إليه لأنني لم أكن أريد لأبي أن يرى في وجهي الحقيقة التي كنت أعرفها ثم دخلت
اقتربت منه وقلت:
كلمت الدكتور يا أبوي وقال أبشر لكن مو الحين إحنا ماشيين على خطة علاجية وما يبغى شي يأثر عليها وإن شاء الله يتحسن وضعك وبعدها يسمح لك تشرب
لم يقل الطبيب شيئًا من ذلك
كنت أنا الطبيب في تلك اللحظة
وكنت الابن الذي لا يملك لأبيه علاجاً فحاول أن يمنحه أملًا
كنت أعرف الحقيقة وأخفيها عنه
وكان هو يريد فقط رشفة عصير
ومرت السنوات……..
ومات أبي – رحمه الله – لكن تلك العلبة لم تنتهِ يوم انتهيت من شربها
بقيت عالقة في مكان ما من الذاكرة
كلما تذكرت الموقف لا أتذكر طعم العصير ولا حر ذلك اليوم ولا عدد المرات التي صعدت ونزلت فيها
أتذكر فقط رجلاً على سرير المرض يطلب من ابنه رشفة
وابنًا يقف خلف باب الغرفة عاجزاً عن تحقيق أبسط أمنيات أبيه ثم يعود إليه بابتسامة مصطنعة وكذبة صغيرة صنعها الحب حتى لا يقول له الحقيقة التي لا يحتمل قلبه أن يقولها:
يا أبوي…… حتى هذه الرشفة ما عاد أقدر أجيبها لك
ومنذ ذلك اليوم عرفت أن العجز ليس دائمًا أن تعجز عن فعل الأشياء الكبيرة
أحيانًا يكون أقسى مراحل العجز
أن يكون كل ما يتمناه أبوك رشفة عصير
وأن تكون مستعداً أن تعطيه الدنيا كلها
ولا تستطيع أن تعطيه رشفة
رحمك الله يا أبي
لعلّك الآن في دارٍ لا مرض فيها ولا حرمان ولا طبيب يمنع عنك ما تشتهي
أما أنا…
فما زلت كلما مرّت هذه الذكرى بقلبي أقف عند ذلك الباب لخمس دقائق أخرى
ومن ذلك اليوم بقي في داخلي شيء أريد أن أقوله لكل من يقرأ حكايتي:
لا تنتظروا الفقد حتى تعرفوا قيمة الأشياء البسيطة
لكنها ليست دائمًا كذلك
تلك الحادثة علّمتني أن الإنسان قد يمتلك الدنيا في يوم ثم تصبح أمنيته في يوم آخر شيئاً لا نلتفت إليه نحن: رشفة ماء أو مذاق عصير أو خطوة يمشيها وحده أو ليلة ينامها بلا ألم
وعلّمتني شيئًا آخر أشد وجعًا:
لا تؤجلوا الأشياء الجميلة مع والديكم
لا تؤجلوا جلسةً بحجة الانشغال ولا كلمة حب خجلًا
ولا قبلة على الرأس لأنكم فعلتموها بالأمس ولا سؤالاً عن خاطرهم لأنكم تظنون أن الغد موجود
اقتربوا منهم ما دام الاقتراب ممكنًا
اسمعوا أحاديثهم حتى المكررة منها
اجلسوا بجوارهم أكثر
احفظوا أصواتهم وضحكاتهم وتفاصيلهم الصغيرة
وأعطوهم من وقتكم قبل أن تتمنوا يومًا واحدًا معهم فلا تجدوه
فالفقد لا يجعلنا نفتقد الأشياء العظيمة فقط أحياناً نمضي بقية أعمارنا نشتاق إلى تفاصيل كنا نظنها عادية جدًا
وأنا لم تعلّمني تلك اللحظة قيمة العصير
علّمتني قيمة القدرة
أن تستطيع أن تشرب حين تعطش نعمة
وأن تستطيع أن تضم أباك او أمك نعمة
وأن تسمع صوته يناديك نعمة
وأن يقول لك يا ولدي فتجيبه أبشر يا أبوي نعمة
قد لا يعرف حجمها إلا من أصبح مستعداً
أن يدفع عمراً كاملاً ليسمعها مرة أخرى
لذلك لا أروي هذه القصة بحثًا عن الحزن
ولا لأفتح باباً أغلقته السنوات
أرويها لأن خلف ذلك الباب الذي وقفت عنده خمس دقائق تعلّمت درساً احتاج مني عمراً لأفهمه
بعض النعم لا نعرف أنها كانت حياةً كاملة
إلا بعدما تصبح ذكرى
فارفقوا بأيامكم واشكروا الله على كل تفاصيلها وأحبوا أهلكم بصوت مسموع ولا تبخلوا على والديكم بحضوركم وتجنبو اذية الناس ففيهم من اوجاع
الحياة مايكفيهم
ولأن بعض الأبواب حين نخرج منها للمرة الأخيرة
لا نعود منها أبداً أقول لكم
((( لأن النعم لا تدوم رحل أبي )))
للتواصل : [email protected]



