مِن مَرافِئ المَنبَع إلَى عِشقِ وطن: آل العَمُودي فِي مِحرَابِ جَازَان والوَطَن

✍️نوال العمودي- كاتبة سعودية :
في حنايا الهوية وشائج خفية، تربط الإنسان بمساقط رؤوس الأجداد، وتجذبه في الوقت ذاته إلى الأرض التي احتضنت أحلامهم ومنحتهم الأمان. أنا سليلة جذور حضرمية ضاربة في عمق التاريخ والعراقة، غير أن قلبي ينبض بوفاءٍ سعودي خالص، خطّه جدي الأكبر، الشيخ محمد حسن بن مطهر العمودي، بنور الحب والانتماء في أطهر بقاع الأرض وبين حواضرها العظيمة.
من بلاد حضرموت، أرض الأصالة والتجارة والفكر، حمل جدي الأكبر إرثًا من القيم والشموخ. ولكن حينما قادته خُطاه إلى المملكة العربية السعودية، لم يجد مجرد وطنٍ بديل، بل وجد مستقر الروح وموطن الفؤاد. تنقل جدي في رحلة حياته المباركة وعاش مابين قداسة مكة المكرمة ونورها، وبهاء جدة وعراقتها، وجازان الفل والكادي، جازان الحب والعشق. وقع في حب هذه الأرض الطاهرة؛ أحب طيبة أهلها، وعشق نسيمها، وتآصل بالهوية السعودية، وتشرّب عاداتها وتقاليدها حتى غدت تفاصيل هذه المدن جزءًا لا يتجزأ من وجدانه، وارتبط اسم “العمودي” بثرى هذا الوطن المعطاء.
عاش الشيخ محمد حسن بن مطهر العمودي في كنف هذه الدولة المباركة عزيزاً كريماً، يرفل في ثياب الأمان والرخاء، ووجد في ظلالها الأمن الذي تطمئن به النفوس، والعدل الذي تصان به الكرامة. ورحل عن هذه الدنيا بعد أن ترك خلفه إرثاً عظيماً من الحب والولاء، وغرساً طيباً نبت في أطهر البقاع وفي قلوب أهلها.
لقد توفي جدي الأكبر -رحمه الله- بعد أن أرسى أوتادنا في هذه الأرض المباركة، لتولد من بعده أجيالٌ بأكملها؛ فوُلد أبي، ووُلد أعمامي، ثم تتابعت البركة لنوُلد نحن في أحضان جازان: أنا وإخواني وأخواتي، وكل أبناء وبنات عائلتي. لم نعرف وطناً غير هذا الوطن، ولم تتنفس رئتنا إلا نسيم أمنه المضمخ برائحة الفل والبعيثران والكادي.
تتجلى هذه الهوية الجميلة في تفاصيل حياتنا اليومية وفي مناسباتنا وأعيادنا بجازان؛ حيث تمتزج أصالة آل العمودي وتقاليد جازان العريقة، فنتبادل التهاني وتزدان مجالسنا بالفل الجازاني الأبيض، ونستحضر في كل محفل قصة الجد الأول ورحلته بين مكة وجدة وجازان ليرسم لنا هذا الموطن العظيم. كبرنا ونحن نرى في ملامح أبي وأعمامي ذلك الامتنان العميق للبلاد التي احتضنت والدهم، وكبرتُ أنا كامرأة سعودية جازانية الهوى والانتماء، تحمل في قلبها إرث الجد ووفاء الأبناء.
إنني اليوم، وأنا أحمل عبق الجذور الحضرمية العريقة لآل العمودي، أقف شامخةً بفخري واعتزازي بهويتي وانتمائي للمملكة العربية السعودية، وعشقي لجازان الكرم والوفاء. نحن امتداد لذلك الحب القديم الذي زرعه الجد الأكبر، وثمرة العيش الكريم الذي ننعم به جيلًا بعد جيل، ممتنين لأرضٍ عشنا وما زلنا نعيش فيها بكرمٍ، وعزةٍ، وأمان.
للتواصل : [email protected]



