كتاب الرأي

حين سبقت الأقدارُ الفرحة.. آل شريم يترجل عن كرسي التعليم ويرحل قبل أن يزفّ ابنه

      ✍️إبراهيم الروسي – كاتب سعودي :

ليست لحظات الرحيل كلها متشابهة؛ فبعضها يترك في الذاكرة وجعاً يتجاوز حدود الفقد، ويرسم مشهداً تختلط فيه الدموع بالدعوات، وتتحول فيه المواعيد المنتظرة من مناسبات للفرح إلى محطات للحزن والوفاء.

هكذا كان رحيل الأستاذ منصور بن عبدالله آل شريم، مدير تعليم محافظة محايل عسير سابقاً، ومدير عام التعليم بمنطقة نجران سابقاً، الذي ترجل عن كرسي المسؤولية في ميدان التعليم بعد سنوات من العمل والعطاء، دون أن يعلم أن موعداً آخر ينتظره، وأن رحلته في الحياة ستنتهي قبل أن تتحقق واحدة من أمنياته الأسرية الغالية.

كان الراحل يستعد لمناسبة سعيدة طالما انتظرها، وهي زواج نجله المحامي الدكتور عبدالله، المقرر إقامته مساء يوم الجمعة الموافق 6 نوفمبر 2026م. وقد استحوذت هذه المناسبة على اهتمامه ووقته، وبدأ الاستعداد لها مبكراً؛ فالدعوات وُزعت على الزملاء والأصدقاء ومديري الإدارات الحكومية، وكانت ملامح الفرح تسبق موعدها، فيما حضرت العرضة والخطوة في تفاصيل الاستعداد، إيذاناً بليلة يُفترض أن تجمع الأحبة، وتصدح فيها الأهازيج، وتتعالى التهاني.
كان الجميع يترقب تلك المناسبة، ويحمل في قلبه أمنية مشاركة أبي عبدالله فرحته بابنه، لكن الأقدار كانت تمضي في اتجاه آخر؛ فبإرادة الله تعالى سبق القدر موعد الفرح، وانتقل آل شريم إلى جوار ربه صباح يوم الجمعة نفسه، ليتحول المشهد في ساعات قليلة من الاستعداد للزفاف إلى استقبال للعزاء، ومن ترقب للأهازيج إلى صمت تملؤه الدعوات، ومن انتظار التهاني إلى مواساة الأسرة في مصابها الجلل.

يا لها من مفارقة موجعة!

يومٌ كان يفترض أن يكون من أيام العمر، أصبح تاريخاً محفوراً في ذاكرة أسرته ومحبيه وزملائه؛ اجتمع فيه موعد الفرح وموعد الرحيل، وغابت الابتسامة التي كانت تستعد لاستقبال المهنئين، وحضرت الدموع التي لم تكن في الحسبان.

رحيل أشعل ذاكرة الوفاء
ما إن انتشر خبر الوفاة حتى امتلأت منصات التواصل الاجتماعي برسائل النعي والدعاء، وتوالت عبارات الحزن من زملاء المهنة، ومن عرفوا الراحل عن قرب، ومن عملوا معه في محطات مختلفة من مسيرته التعليمية.

ولم تكن تلك الرسائل مجرد كلمات عابرة في مقام العزاء، بل تحولت إلى شهادات متتابعة على سيرة رجل ترك أثراً طيباً في نفوس من تعاملوا معه. واستعاد محبوه مواقف وذكريات، وروى كل منهم ما علق في ذاكرته من كلمة طيبة أو موقف إنساني يعكس جانباً من شخصيته وأخلاقه.

ومن أكثر المشاهد تداولاً وتأثيراً ذلك المقطع الذي ظهر فيه وهو يقبّل رأس أحد معلمي الصفوف الأولية وتكريمه، في صورة تختصر معاني التواضع والتقدير والاحترام. لم يكن المشهد بحاجة إلى تعليق مطول؛ فالصورة وحدها حملت رسالة إنسانية عميقة، مفادها أن مكانة الإنسان لا تُقاس بمنصبه، وأن المسؤولية الحقيقية لا تعني أن يقف المسؤول بعيداً عن الميدان، بل أن يقترب من الإنسان الذي يصنع التعليم كل يوم.

فتقبيل رأس معلم أمام طلابه ليس تصرفاً عابراً، بل رسالة تقدير لرسالة المعلم واعتراف بجهد قد لا تراه العيون دائماً، لكنه يسهم في صناعة الأجيال وبناء الوطن. وهو موقف يؤكد أن أعظم ما يتركه المسؤول خلفه ليس الكرسي الذي جلس عليه، ولا المنصب الذي شغله، بل الأثر الذي يبقى في قلوب الناس.
المناصب تنتهي.. والمواقف تبقى
غادر آل شريم موقعه الإداري، وترجل عن كرسي المسؤولية، لكن ما تداوله زملاؤه ومحبوّه بعد رحيله يؤكد أن المناصب لا تصنع قيمة الإنسان، وإنما يصنعها ما يقدمه من عمل، وما يتركه من أثر، وما يزرعه في نفوس الآخرين من احترام ومحبة.

وفي الميدان التعليمي على وجه الخصوص، تظل العلاقة بين القائد والمعلم أحد أهم مقومات نجاح العمل المؤسسي؛ فالمعلم الذي يجد التقدير والاحترام يشعر بقيمة رسالته، والمسؤول الذي يدرك أهمية الميدان ويقترب من العاملين فيه يترك أثراً يتجاوز حدود الإدارة والتوجيه.

ولعل ما شهدته منصات التواصل الاجتماعي من استحضار لمناقبه ومواقفه يكشف حقيقة مهمة، وهي أن سيرة الإنسان لا تُكتب فقط بما يقوله الآخرون عنه في حياته، بل تتجلى أيضاً في ذاكرة الناس بعد رحيله، وفي المواقف التي يتسابقون على استعادتها وروايتها.

فرحة الدكتور عبدالله.. ووجع الفقد

أما الأسرة، فلها من هذا الرحيل النصيب الأكبر من الألم؛ فالدكتور عبدالله، الذي كان يستعد ليكون عريس الجمعة، وجد نفسه أمام قدر لم يكن في الحسبان. والمناسبة التي انتظرها والده لتكون من أسعد أيام حياته تحولت إلى ذكرى يختلط فيها الفرح بالحزن، ويغيب عنها صاحب الدعوة الذي كان ينتظر أن يكون في مقدمة مستقبلي المهنئين.

وكم هو موجع أن تبقى الدعوات شاهدة على مناسبة لم تكتمل كما خُطط لها، وأن تتحول تفاصيل ليلة الزفاف، التي أُعدت لتكون ليلة فرح، إلى ذكرى تستحضر فيها الأسرة وجه الأب وصوته وابتسامته ودعواته.

غير أن عزاء الأسرة ومحبيه أن الموت حق، وأن ما عند الله خير وأبقى، وأن الأثر الطيب لا يغيب برحيل صاحبه، بل يظل حاضراً في ذاكرة من عرفوه، وفي كل موقف جميل يُستعاد، وكل دعوة صادقة تُرفع له.

رحل عن المنصب.. وبقي في الذاكرة

رحل آل شريم في يوم كان يستعد فيه لاستقبال الفرح، فكان رحيله تذكيراً بليغاً بأن الإنسان لا يملك من أمر موعده شيئاً، وأن الحياة، مهما ازدحمت بالمواعيد والخطط، تظل الأقدار فيها فوق كل ترتيب.

رحل المدير، وبقي أثر المسؤول، وغاب الأب عن فرحة انتظرها، وظلت محبته حاضرة في قلوب أبنائه، وغادر الميدان، لكن الميدان استعاد مواقفه وشهد له بما ترك من بصمات طيبة.

ولعل أصدق تكريم للراحل أن تتحول المواقف التي استعادها زملاؤه إلى ثقافة عمل، وأن يظل احترام المعلم وتقدير الإنسان نهجاً راسخاً لا يرتبط بشخص أو منصب.

رحم الله الأستاذ منصور بن عبدالله آل شريم رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وغفر له، وجعل ما قدمه في خدمة التعليم والعمل الوطني في ميزان حسناته، وألهم أبناءه وأسرته وزملاءه ومحبيه الصبر والسلوان.

وعظّم الله أجر الدكتور عبدالله وأسرته، وجبر مصابهم، وربط على قلوبهم، وجعل ما أصابهم رفعة في الدرجات وتكفيراً للسيئات.
إنا لله وإنا إليه راجعون.

للتواصل: [email protected]

إبراهيم أحمد الروسي

مدير مكتب الصحيفة بمنطقة عسير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى