ثلاث سنوات من الغياب… أين ماتت الإنسانية؟

✍️ناهد شما – كاتبة أردنية :
أن تُغلق امرأة باب بيتها وتغيب عن عيون الناس يوماً أو أسبوعاً، فهذا قد يحدث، لكن أن تمر ثلاث سنوات كاملة دون أن يسأل عنها أحد، ثم يُعثر عليها جثةً تحولت إلى هيكل عظمي داخل منزلها، فهنا لا نتحدث عن مأساة وفاة فحسب، بل عن مأساة إنسانية تهز الضمير وتفضح قسوة الإهمال.
كانت طبيبة، ولها أهل وأصدقاء وأقارب، ويُقال إن شقيقها وزير، لكن ما قيمة المناصب والمكانة الاجتماعية إذا عجز أقرب الناس عن ملاحظة غياب إنسانة ثلاث سنوات؟ أين العائلة؟ أين الأصدقاء؟ أين الجيران؟ وأين أولئك الذين كان يفترض أن يطرقوا بابها ويسألوا عنها؟
يا لوجع المشهد! ثلاث سنوات مرّت، وربما كانت الأعياد والمناسبات تمرّ، والناس تتبادل الزيارات والتهاني، بينما هناك امرأة غابت عن الحياة دون أن ينتبه أحد إلى غيابها. أيُّ عالم هذا الذي نعيش فيه؟ وأيُّ إنسانية هذه التي تجعلنا نعرف أخبار البعيد، ولا نعرف إن كان القريب ما زال على قيد الحياة؟
إن المأساة لا تكمن في الموت وحده، فالموت حق، ولكن المأساة أن يموت الإنسان وحيداً، وأن يتحول غيابه إلى أمر عادي لا يوقظ سؤالاً ولا يحرك ضميراً. لقد أصبحنا بحاجة إلى أن نتعلم من جديد معنى السؤال عن بعضنا، فربما تكون مكالمة هاتفية، أو طرقة على باب، أو زيارة عابرة، سبباً في إنقاذ إنسان من عزلة لا يراها أحد.
لا أريد أن أوزع الاتهامات قبل معرفة الحقيقة كاملة، ولكنني أريد أن أوجه سؤالاً إلى كل واحد منا: متى كانت آخر مرة سألت فيها عن إنسان غاب عنك؟ لا تنتظروا أن تتحول الأبواب المغلقة إلى حكايات مأساوية، ولا تجعلوا الانشغال بالحياة يسرق منكم أبسط واجبات الإنسانية.
فليس أصعب من أن يموت الإنسان، إلا أن يموت وكأن وجوده لم يكن يعني لأحد شيئاً.
رحم الله تلك الطبيبة، ولتكن قصتها جرس إنذار في ضمير كل إنسان؛ فالمناصب لا تصنع الوفاء، والمال لا يشتري المحبة، وكثرة المعارف لا تعني أن حولنا قلوباً تشعر بنا. فالإنسانية الحقيقية أن نفتقد بعضنا قبل فوات الأوان.
لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
للتواصل : [email protected]



