ليس كل فراغ يحتاج إلى امتلاء

✍️ عبدالخالق الزهراني – كاتب رأي :
تأملت يوماً بالونة فارغة وأخرى ممتلئة، ولاحظت أننا بطبيعتنا نلتفت إلى الممتلئة أكثر، ربما لأن حجمها يوحي بأنها أصبحت شيئاً مختلفاً، بينما تمر أعيننا على الأخرى دون اهتمام، مع أن الفارق بينهما ليس في قيمتهما، بل في مقدار ما دخل إلى إحداهما وبقي خارج الأخرى.
ولعلنا نفعل الأمر نفسه في كثير من تفاصيل حياتنا، حين نعتقد أن كل مساحة فارغة تحتاج إلى ما يملؤها، وأن كل وقت لا ننشغل فيه بشيء هو وقت لم نحسن استثماره. فنملأ أيامنا بالمواعيد، وأحاديثنا بالكلمات، وعلاقاتنا بالحضور المستمر، حتى أصبحنا أحياناً نخشى الفراغ أكثر مما نخشى الأشياء التي نملؤه بها.
والغريب أننا لا نتوقف كثيراً لنسأل أنفسنا هل نحتاج فعلاً إلى كل ما نضيفه إلى حياتنا؟ أم أننا اعتدنا الإضافة حتى نسينا أن بعض الأشياء لا تصبح أجمل بكثرتها؟
فكم من حديث كان يمكن أن يبقى جميلاً لو انتهى في وقته، وكم من علاقة احتفظت بقيمتها لأنها عرفت المسافة المناسبة بين القرب والابتعاد، وكم من يوم مزدحم انتهى دون أن نشعر أننا عشنا فيه شيئاً يستحق التذكر.
ومع مرور السنوات، نكتشف أن الامتلاء ليس دائماً علامة على الاكتمال. فقد تكون حياتنا مزدحمة بالأشخاص، ومع ذلك نفتقد حديثاً صادقاً، وقد تمتلئ هواتفنا بالأسماء دون أن نجد من نشاركه خبراً صغيراً يهمنا. وربما نملك من الأشياء أكثر مما كنا نتمنى، ثم نكتشف أن ما ينقصنا لم يكن شيئاً يمكن إضافته.
وهذا لا يعني أن نقلل من قيمة الطموح أو العلاقات أو الانشغال بما ينفع، بل أن ندرك أن لكل شيء مساحته التي تمنحه معناه. فالكلمة الجميلة قد تفقد أثرها حين نكررها بلا شعور، والزيارة التي نشتاق إليها قد تصبح عادة لا ننتبه لجمالها، وحتى الأشياء التي نحبها قد نرهقها حين نطلب منها أكثر مما تستطيع أن تمنحنا.
ولعل ما يستحق التأمل أننا تعلمنا كيف نضيف إلى حياتنا، لكننا لم نتعلم بالقدر نفسه كيف نترك فيها مساحة. مساحة لموعد غير مرتب، أو حديث يأتي دون انتظار، أو تجربة لم نخطط لها. فليست الحياة مشروعاً ينبغي أن نملأ جميع تفاصيله حتى نطمئن إلى أننا أحسنا عيشه.
وإذا عدنا إلى تلك البالونة، سنجد أن امتلاءها هو ما منحها شكلها، لكنه أيضاً ما جعلها تفقد قدرتها على احتمال المزيد. أما الفراغ الذي لم نلتفت إليه في البداية، فلم يكن عيباً فيها، بل كان مساحة لما يمكن أن يأتي.
وربما هذا ما نحتاج إلى فهمه في حياتنا، أن نترك للأيام شيئاً من مساحتها، وللعلاقات شيئاً من عفويتها، ولأنفسنا فرصة لا نطالبها فيها بالمزيد. فليس كل ما نملؤه يصبح أجمل، وليس كل ما نتركه فارغاً يعني أننا فقدنا شيئاً، أحياناً تكون قيمة المساحة فيما تتيحه لنا، لا فيما نضعه داخلها.
للتواصل : [email protected]



