هل أصبحت العادة عبادة؟

✍️أ- أحمد محمد كريري – كاتب سعودي :
سلوك الإنسان لا يأتي من فراغ، بل تحكمه قوتان رئيسيتان :
الأولى: عقيدة في الداخل. هي العقدة والرباط الذي يربط القلب بالله. إن صحت، صحت القيم، وإن اختلت، اختل كل شيء. هي البوصلة الصامتة التي توجهنا، حتى ونحن نظن أننا أحرار.
الثانية: العادة، وهي الأخطر. لأنها لا تدخل علينا بالقوة، بل تتسلل بهدوء، حتى تصبح عند كثير من الناس هي ميزان الصواب والخطأ، بل وميزان القبول والرفض.
تأمل الزواج مثلاً: كان فرحاً واحداً يباركه الشرع. اليوم، بقوة العادة، أصبح عند كثير من الأسر ثلاث حفلات لا تقبل النقاش: خطوبة، وملكة، وزفاف. ومن خالف هذا العرف، واكتفى بالسنة، اتُهم بالتقصير والتخلف.
ونفس المنطق تسلل إلى فرحة النجاح. كان الأصل فيها كلمة “مبارك” ودعاء صادق من القلب. تحولت اليوم عند البعض إلى موكب سيارات، وباقات ورد، وقاعة، وتوزيعات، وتصوير احترافي، ونشر إجباري. حتى أصبحت تكلفة الاحتفال بالنجاح أحياناً أكبر من فرحة النجاح نفسه، بل ويُحتفل به أحياناً قبل ظهور النتائج!
المشكلة هنا ليست في الفرح نفسه، فالفرح مشروع. المشكلة في تحويل المباح إلى واجب اجتماعي، ومن يخالفه يعاقب بالنقد والقطيعة ويتهم بالتخلف.
هنا يأتي السؤال الأصعب: كيف ننقي هاتين القوتين؟
قديماً كانت المصادر محدودة. اليوم، المرجع الأول هو الإنترنت، بحر يتجدد كل ثانية بخيره وشره، ويستحيل تنقيته بالكامل، وستكون له الكلمة الأقوى في صناعة الجيل القادم.
لذلك، لم تعد التنقية مهمة جهة واحدة، بل أصبحت مسؤولية ثلاث دوائر متكاملة: البيت أولاً، والمدرسة ثانياً، والمجتمع ثالثاً.
وأبلغ تنقية ليست بالمحاضرات، بل بالقدوة. فالطفل لا يحفظ ما نقول، بل ينسخ ما نفعل.
لا تنهَ عن خلقٍ وتأتي مثله
عارٌ عليك إذا فعلت عظيمُ
إذا أردنا جيلاً مستقيماً، فلنبدأ بأنفسنا. لنحتفل بفرحنا دون تكلف، ولنرفض العادة إذا أثقلتنا، بهدوء وأدب، دون قطيعة ولا خصام. فليس الشجاع من يتبع الناس، بل من يثبت على الحق وإن خالفه الناس..
للتواصل : [email protected]



