حين ينكسر القلب تولد القوة

✍️ شوق المحنشي – كاتبة سعودية :
أحيانا أعجز عن وصف ما يفعله الألم بأرواحنا فهناك أوجاع لا تشبه غيرها لا تأتي عابرة ثم تمضي بل تستقر في أعماقنا وتعيد تشكيل ملامح أرواحنا وتغير نظرتنا للحياة تجعلنا أكثر صمتا وأعمق تفكيرا وأشد إدراكا لحقائق لم نكن نراها من قبل فبعض الآلام لا تترك جرحا ظاهرا لكنها تترك في داخل الإنسان حكاية لا تستطيع الكلمات أن ترويها كاملة.
تعلمت أن الإنسان قد يبدو شامخا أمام الجميع بينما يخوض في أعماقه معارك
لايعلم عنها أحد قد يبتسم ويتحدث ويعمل وينجز ويمنح الآخرين من قوته واهتمامه ثم يعود في نهاية يومه إلى نفسه حيث تسقط الأقنعة ويواجه قلبه بكل ما أخفاه هناك تظهر حقيقة التعب الذي كتمه والدموع التي حبسها والأسئلة التي ظلت معلقة دون إجابة وهناك أيضا يدرك أن أصعب المعارك ليست تلك التي نخوضها أمام العالم بل تلك التي نخوضها بصمت داخل أنفسنا.
ولعل أعظم ما تعلمته من الألم أن القوة ليست في غياب الوجع وإنما في القدرة على مواصلة الطريق رغم حضوره أن نعترف بأن شيئا ما أوجعنا دون أن نسمح له بأن يسلب منا رغبتنا في الحياة فكم من مرة اعتقدنا أن موقفا ما سيكون نهايتنا ثم مضت الأيام واكتشفنا أننا تجاوزناه وأن ما ظنناه انكسارا أخيرا كان بداية لوعي جديد جعلنا أكثر معرفة بأنفسنا وأكثر إدراكا لقيمتنا وما نستحقه.
لقد مررت بلحظات جعلتني أدرك أن بعض الانكسارات ليست نهاية الطريق وأن بعض الخسارات تحمل بين طياتها بدايات لم نكن نتوقعها لم يكن الطريق مفروشا بالطمأنينة ولم أكن أعرف دائما كيف سأعبر تلك المراحل القاسية لكنني تعلمت أن الإنسان ليس مطالبا بأن يرى الطريق كاملا حتى يمضي فيه بل يكفيه أن يمتلك شجاعة الخطوة الأولى وأن يؤمن بأن الله لا يترك قلبا لجأ إليه مهما أثقلته الحياة بالخذلان والانتظار.
الألم أيضا علمني ألا أحكم على الآخرين من ملامحهم أو صمتهم فقد أدركت أن خلف كل إنسان حكاية لا نعرف تفاصيلها وأن بعض الابتسامات تخفي وجعا عميقا وأن أكثر الأشخاص قوة قد يكونون أشدهم احتياجا إلى كلمة حانية أو موقف صادق أو قلب يشعر بهم دون أن يطالبهم بتفسير أحزانهم ومن هنا ازددت يقينا بأن الرحمة ليست ضعفا وأن الاحتفاظ بنقاء القلب بعد التجارب القاسية انتصار لايقدر عليه إلا من امتلك قوة الروح وعظمة التسامح.
وفي لحظات الألم العميق كنت أكتشف حقيقة أخرى أن الإنسان حين يفقد بعض الأشياء من حوله يبدأ أحيانا في العثور على نفسه فيعرف من يستحق البقاء ومن كان مجرد عابر في حياته ويدرك ما يستحق أن يتمسك به وما ينبغي أن يتركه بسلام ويتعلم أن قيمته لا تصنعها نظرة الآخرين إليه ولا يحددها من اختار الاقتراب منه أو الابتعاد عنه فالقيمة الحقيقية تنبع من الداخل من الكرامة التي لاتساوم ومن المبادئ التي لاتتغير ومن النفس التي تعرف قدرها حتى وإن خذلها الجميع.
أحيانا كنت أتمنى لو أنني لم أعبر بعض التجارب المؤلمة ثم أتوقف أمام سؤال عميق هل كنت سأصبح الإنسانة التي أنا عليها اليوم لو لم أعش تلك اللحظات وربما تكون الإجابة لا فقد كان الألم رغم قسوته معلما لم أختره وكانت الخسارات دروسا لم أطلبها لكنني خرجت منها بمعرفة أعمق للحياة وبصيرة أكثر نضجا وإيمان راسخ بأن الله قد يخبئ لنا في قلب المحنة منحة لاندرك قيمتها إلا بعد أن نعبرها.
تعلمت أنني لست مطالبة بأن أكون قوية في كل لحظة فمن حقي أن أتعب وأن أبكي وأن أحتاج إلى الاحتواء وأن أعترف بأنني لست بخير فالقوة لاتعني أن نقسو على أنفسنا أو نحرم أرواحنا من حقها في التعب والحزن بل أن نمنح مشاعرنا مساحتها ثم ننهض من جديد فالدموع
لاتنتقص من شموخ الإنسان والاحتياج
لايسلبه كرامته والانكسار لا يعني الهزيمة بل قد يكون بداية لولادة قوة لم نكن نعلم أنها تسكن أعماقنا.
ومع مرور الوقت بدأت أنظر إلى ندوب القلب بعين مختلفة فلم أعد أراها علامات ضعف بل شواهد على أنني عشت وأحببت ووثقت وتألمت ثم وجدت في داخلي القدرة على النجاة وكل تجربة مرت بي تركت أثرا لا يمحى بعضها منحني الحكمة وبعضها علمني الصبر وبعضها جعلني أكثر حرصا على سلامي الداخلي وبعضها علمني أن أغادر ما يؤذيني دون أن أحمل في قلبي كراهية وأن أختار راحتي دون أن أظلم أحدا وأن أواصل حياتي دون أن أسمح للماضي بأن يسلب مني جمال الحاضر.
ربما لهذا أصبحت أؤمن أن أقوى إنسان ليس من لم ينكسر يوما بل من انكسر ولم يسمح لانكساره بأن يطفئ النور الذي يسكن روحه من ذاق مرارة الخذلان ولم يتحول إلى مصدر للأذى ومن فقد شيئا عزيزاً ولم يفقد إيمانه بأن الله قادر على أن يعوضه خيرا ومن واجه قسوة الحياة بقلب ما زال يعرف الرحمة ويؤمن بالمحبة ويتمسك بالأمل فليست القوة أن نخرج من الألم بلا مشاعر بل أن نخرج منه أكثر وعيا دون أن نفقد إنسانيتنا.
وفي النهاية ربما لا نملك حق اختيار كل ما يعبر حياتنا من أوجاع لكننا نملك القدرة على تحديد موقفنا منها فقد نجعل الألم سجناً يحاصر أحلامنا أو جسراً نعبر من خلاله إلى حياة أكثر نضجا ووعيا وقد نسمح للخذلان بأن يسلب منا الثقة
أو نجعله درسا يعلمنا كيف نحسن الاختيار ونحفظ كرامتنا ونمنح قلوبنا لمن يعرف قيمتها فليست كل خسارة هزيمة وليست كل نهاية انطفاء فبعض النهايات تفتح أمام أرواحنا أبوابا لم نكن نجرؤ على الاقتراب منها.
وأنا أؤمن أن أجمل ما يمكن أن يولد من رحم الألم ليس القسوة ولا الرغبة في الانتقام بل تلك القوة الهادئة التي لا تحتاج إلى إثبات حضورها ولا ترفع صوتها لتعلن انتصارها ولا تنتظر تصفيق الآخرين قوة تعرف قيمتها وتحفظ كرامتها وتتصالح مع ماضيها وتبقى رحيمة رغم كل ما مرت به فربما كانت أعمق جراحنا هي التي قادتنا إلى اكتشاف أعماق أنفسنا وربما حين ظننا أننا ننهار كنا في الحقيقة نعيد بناء أرواحنا على أسس أكثر ثباتا ونضجا ويقينا.
فبعض القوة لا تولد من الراحة بل تنبع من ألم عميق هز أركان الروح ولم يهزمها وعلم القلب كيف ينكسر دون أن يموت وكيف يتألم دون أن يفقد نقاءه وكيف ينهض من بين ركام الخيبات أكثر شموخا وإيمانا بأن ما انكسر في الأمس قد يصبح غدا سر القوة التي لا يستطيع أحد انتزاعها



